30
ليست ظاهريات الدين حالة خاصة من فلسفة الدين، هي حالة حديثة تمثل تقدما بالنسبة لفلسفة الدين في العصور الحديثة، وهي ليست أيضا مقاربة فلسفية للظاهريات الدينية تعطي للعقل بعض حقوقه، بل هي علم جذري ومستقل.
31
والعقل في الظاهريات لا يدل على ظاهرة الدين؛ لأنه يكون قطبا مع الواقع، ويتخلله الحدس. حياد وعي الباحث يكمن في ظاهريات الدين، ويمكن الحصول عليه عن طريق البداية الجذرية، والعودة إلى الأصلي، وقلب النظرة، والتقويس، والتخلص من كل الافتراضات المسبقة. وكلها آليات وإجراءات منهجية، لا يحتاج الباحث أن يأخذ «موقفا متحيزا منذ البداية»،
32
يكفيه النص الديني كقبلي معرفي في إدراكه للعالم، ليست صورة الشعور على الإطلاق انتسابا بالعقل فوق الطبيعة إلى حقائق موحى بها تكون الموضوع القصدي، مضمون الشعور، ليست صورة الشعور إلا التحليل النظري، ابتداء من المبادئ اللغوية، وليس مضمون الشعور إلا الخبرات الحية في الحياة اليومية. وإذا ما اعتبرت صورة الشعور أنها الإيمان، ومضمون الشعور أنه اللاهوت القائم، فإن ذلك مجرد تغيير في المصطلحات بصدق وصراحة.
33
وهكذا ينظر إلى حقائق الوحي وكيف تفهم كحقائق إنسانية، ودور النص الوحي في الإدراك، ونسبة وقائع مستقلة عن الحقائق الإنسانية للحقائق الدينية وقوع في الشيئية والمادية الخالصة. (4) ظاهريات اللاهوت المدرسي
وقد تأسست ظاهريات الدين إثر لقاء عرضي،
34
ولم تؤخذ كرسالة هامة لتحقيقها، أخذ المنهج الظاهرياتي في يد والظاهرة الدينية في اليد الأخرى، ولم تتعد مقارنة تاريخية بين مؤسس الظاهريات ولاهوتي مدرسي، واعتبرت التجربة الدينية تجربة صوفية في حين أن التجربة الصوفية نوع خاص من التجربة الدينية.
35
وكانت الغاية النهائية من الدراسة المقارنة كالعادة تبريرا جديدا للاهوت المدرسي، وتم تفضيل الثنائية المدرسية بين العقل الطبيعي والعقل فوق الطبيعي على التوحيد بين العقل والواقع في الظاهريات.
36
وقد سمح الجانب النظري في ظاهريات الدين بدخول الأنساق الفلسفية، تراجعت ظاهريات الدين التي تمثل تقدما بالنسبة لفلسفة الدين بسبب سيطرة الأنساق الفلسفية عليها، وهي ليست إلا تحولات لبعض جوانب الدين ذاته. ليس دور ظاهريات الدين فقط إقامة بناء جديد لفلسفة الدين، بل المساهمة الفعلية في حل الأزمة الراهنة للدراسات الدينية وتاريخ الأديان وفلسفات الدين وظاهريات الأديان ... إلخ. ولا تكتفي ظاهريات الدين بالقيام بمشروع ظاهراتي يأخذ الظاهرة الدينية كمضمون، بل دورها إصلاح العلوم الدينية القائمة عن طريق المنهج الجديد الخصب السليم، وينتمي المشروع الظاهرياتي أيضا إلى فلسفة الدين؛ أي إلى الفلسفة الظاهراتية النظرية التي لا تساعد على تقدم الحالة الراهنة للعلوم الدينية إلا إذا رفعت سقف توقعاتها درجة، لا يتكامل المنهج الظاهرياتي مع المسألة من أساسها، بل يأخذ النتائج الحالية للعلوم الدينية مثل النقد التاريخي أو مناهج الفحص أو المشاكل الخلقية ومحاولة تأويلها وتكييفها وإصلاحها، وهو دور عملي تطبيقي وليس دورا نظريا. (5) ظاهريات اللاهوت الوجودي
وإن تبرير اللاهوت بالظاهريات الترنسندنتالية أو بالظاهريات الوجودية فن بذاته، ويتحول إلى مقال أدبي عندما لا ينجح في لعبته، وقد حدث هذا في الوجودية اللاهوتية؛
37
فالوجودية ليست الظاهريات، ومن الصعب اعتبار اللاهوت ظاهريات الدين أو مساهمة فيها، هي مجرد تفكير صحفي أدبي في موضوعات متفرقة، وبسبب غياب التحليل المنهجي للمسائل المتناولة من الصعب رؤية قصدها ومنهجها ونتائجها، يختلط التاريخ بالتأمل، والفلسفة باللاهوت على نحو أدبي، وأحيانا خطابي، ويمر على المسائل مرور الكرام وبسرعة دون أي وعي بأهميتها، أليست أزمة «النزعة الداخلية» هي إشكال الوعي النظري ودوره في فهم النص المقدس ابتداء من التحليل اللغوي؟ أليست أزمة «الشهادة» هي إشكال الوعي التاريخي ودوره في البحث عن الصحة التاريخية للنص المقدس بالنقد التاريخي؟ وأين أزمة السلوك؟