2
وتتكون اللعبة من استعمال المنهج الظاهرياتي، بعد إعادة صياغة خصوصا لهذا الغرض، من أجل الوصول إلى تبرير العقائد القائمة ثم نقدها ثم رفضها،
3
واعتمادا على الظاهريات من أجل إثبات وجود الله أصبحت الفلسفة الوجودية خاصة الوجودية الجذرية (الملحدة) ميدانا آخر للمعركة،
4
وقد أفسح الدفاع عن عقائد التجسد المجال لتبرير اللاهوت، وهو ما جرت عليه العادة في تاريخ اللاهوت، فكم من مرة التقطت عديد من النظريات في الفلسفة أو في العلم لتبرير جديد للاهوت. ولماذا تبقى العقائد متأخرة بالنسبة للمكتشفات الجديدة ولا تتقدم عليها؟ واللاهوت نفسه لا يدرك أن الفلسفة والعلم كليهما ليستا إلا نقلا عقليا وواقعيا لبعض جوانب الدين، والتي يحاول اللاهوت تقديمها، وإذا كان تأويل الظاهريات قد انتهى إلى تأويلها الديني مثل كل الفلسفة الأوروبية، فإن هذا لا يأخذها لتبرير اللاهوت القائم؛ فاللاهوت هو أكثر التجليات زيفا للدين، والميتافيزيقا هي أصح تحولاته. تستطيع الظاهريات أن تأخذ الدين وتعرضه عرضا شاملا، ولكنها لا تستطيع تبرير اللاهوت، وإذا كان الباعث الديني وراء المثالية الظاهراتية فإن هذا لا يثبت اللاهوت في كثير أو في قليل،
5
واللاهوت الذي تبرره الظاهريات هو لاهوت الشخص المتجسد، المعرفة والإرادة. عرض اللاهوت عقدية التجسد الرسمية، وهو ليس اللاهوت الوحيد، هناك أيضا اللاهوت الذي يؤكد الوحدة الإلهية وتنزيهها بالنسبة للعالم، والانتقادات الموجهة إلى الظاهريات صحيحة، ولكنها لا تستخدم لتبرير نوع معين من اللاهوت، وإذا كانت الظاهريات مثالية فإنه يمكن تصحيحها بالعودة إلى الأشياء ذاتها وإلى وجود العالم، وقد حدث ذلك في ظاهريات الموضوع والأنطولوجيا الظاهراتية،
6
دون أن يبرر ذلك معرفة متجسدة أو إرادة متجسدة أو شخص متجسد.
7
يستخدم اللاهوت الظاهريات عندما يكون في حاجة إليها ودون أخذها أساسا للتفكير أو مقياسا للتصحيح، وتمتد اللعبة كي تصبح تأويلا منقوصا للظاهريات؛ إذ يمكن نزع النص الظاهرياتي من مجموع نصوصها من أجل إعطاء معنى ملائم لمقتضيات اللاهوت، وما فعله اللاهوت من قبل مع النص الديني، التأويل لصالح العقائد، تم فعله من قبل مع الظاهريات. تستعمل الظاهريات عندما يكون اللاهوت في حاجة إليها وعندما تثبت الظاهريات العقائد، وتلفظ عندما تنفي اللاهوت وعقائده. وتفقد مستواها الخاص من أجل استبعادها مع الوجودية وأحيانا أخرى «الفلسفات السابقة»، وكانت التأويلات المختلفة المتضاربة أحيانا للظاهريات فرصة إضافية لاختيار أكثر التأويلات ملاءمة للعبة التبرير، مرة هذا التأويل، ومرة أخرى ذلك، دون اعتقاد داخلي بصحة هذا التأويل أو ذاك، وتبني تأويلا منهما، وأحيانا يضع اللاهوت التأويلات في معارضة بعضها البعض لبيان عدم تجانسها لصالح اللاهوت العقائدي، وأحيلت الظاهريات الترنسندنتالية فقط إلى تطورها المتأخر في الظاهريات النقدية أو الظاهريات الأنطولوجية لأنها أكثر عرضة للتجريح.
وفي ميدان العلاقات الإنسانية، حتى ولو كانت تنتمي إلى اللاهوت، يمثل تطبيق المنهج الظاهرياتي خطورة أقل من ميدان العقائد، العقائد مشكوك فيها، ويشهد بذلك النقد التاريخي، والتحليل اللغوي، والتحقيق العملي، ولكن العلاقات الاجتماعية يقينية على الأقل على مستوى الفهم؛ ومن ثم لا يوجد خطر في فهم الإحسان من خلال التجربة المشتركة من الوقوع في التبرير، وحتى لو تم ذلك فإن الخطورة أقل؛ لأن الإحسان تجربة إنسانية معروفة سلفا.
8
وعندما يتوقف الحوار بين اللاهوت والظاهريات تفتح جبهة المعركة بين اللاهوت والفلسفة الوجودية؛ إذ يدخل الحدوث في بنية الواقع من خلال الهم كما تثبت الفلسفة الوجودية، والحدوث ليس على الإطلاق دليلا على خلق العالم ولا دليلا على وجود خالق كما يريد اللاهوت،