79
لذلك اعتبر الرد الظاهرياتي «لا» قوية تعارض الواقع. الواقع ليس شيئا ميتا أعطى في حساسية خاصة، بل هو إحساس بالمقاومة بالنسبة لدافع أو ميل أو دفعة حيوية تحرك الشعور. رد العالم ليس فقط التوقف عن الحكم على الوجود، بل محاولة القضاء على صفة الواقع ذاته وإعدامه. الرد هو استبعاد هذا الهم الأرضي عن طريق تحويل العالم إلى مثال، والذي هو في الحقيقة زهد.
80
وكما تميز الظاهريات بين المستوى الصوري والمستوى المادي، فإنها تميز أيضا بين الإحساس الوجداني والحالة الانفعالية في الحدس الوجداني.
81
وفي نظرية الإدراك الحسي الخارجي تعتبر لحظة التخارج عصية على الرد وعلى التفسير بمجرد إسقاط الإحساسات.
82
وفي الظاهريات العقلية تركت مشكلة الواقع بلا حل، وفي الظاهريات الوجدانية معرفة الواقع مختلفة تماما عن معرفة الماهيات، المعرفة تأمل نزيه وقائمة على الدهشة والتواضع والمحبة، في حين أن الإدراك الحسي للواقع والذي يقوم على الرغبة في السيطرة له طابع عملي، ومرتبط بالعمل وبالتطلعات وبالإرادة؛ فالواقع يقاوم الإرادة. وهكذا تتحول الظاهريات العقلية إلى نوع من المثالية تعزو إلى معرفة الدافع الطابع المنزه والتأملي الذي تتميز به المعرفة الفلسفية للماهيات. إدراك الواقع مباشر وحدسي للموضوع كله، ويظهر في أربع دوائر للوجود عصية على الرد النفسي، والعالم الخارجي، والعالم الإنساني، والمطلق.
83
ليست الماهيات دلالات خالصة بل موجودات موضوعية، ليست فقط معقولة بل أيضا لا منطقية. والأفعال التي تطابقها أفعال وجدانية ترتبط بالجانب الوجداني للروح.
84
لم يعد الحدس، كما هو الحال في الظاهريات، تطابقا كاملا بين الدلالة ومدلولها؛ لأنه يوجد مضامين ليس لها دلالات مباشرة ومع ذلك هي أفعال قصدية محددة، وهناك ماهيات ليست مرتبطة ارتباطا مباشرا بالدلالات، ماهيات لا منطقية ولا عقلية خارج المعقولات. ظاهريات القيم ميدان للبحث مستقل تماما، ولا يعتمد على ما يؤسس المنطق. هناك إذن قصدية عاطفية لا يمكن الوصول إليها، وعصية على القصدية العقلية.
85
وفي الظاهريات كل الماهيات تتصف بالعمومية، ومضامينها عامة دائما، وفي الظاهريات العاطفية مضامن الماهيات اللاعقلية فردية تماما على نحو فردي كامل.
86
وتمتلئ الرموز تماما بالحضور الشخصي للشيء.
وتوظف حدوس الماهيات بتحولها إلى معايير تنظم استعمال الذهن المتجه نحو الوقائع الحادثة. وتوجد هذه الظاهرة في الوظائف العاطفية وأيضا في الإرادة.
87
ويمكن تمثيل التحول من الظاهريات العقلية إلى الظاهريات الوجدانية بالتحول من الشعور إلى الشخص؛ فالشعور القصدي ليس هو شعور الأفعال الخالصة بل شعور الأفعال الوجدانية. هذا بالإضافة إلى أنه لا يوجد شخص على العموم، كما يوجد شعور شامل، بل يوجد فقط أشخاص عيانية وفردية.
88
ولا يكفي التحول من الظاهريات العقلية إلى الظاهريات الوجدانية لتحويل الظاهريات السكونية إلى ظاهريات حركية؛ ففي الظاهريات الوجدانية، الحب، ولا شك، حركة إلا أنه ليس خالقا، بل فعل قصدي كما هو الحال في الظاهريات العقلية؛ ومن ثم يستبعد كل نشاط خلاق في سكون عالم الماهيات. ويظل المنهج الظاهرياتي في الحدس الوجداني منهج تحليل معزولا، يمنع من أي تضارب للماهيات . ويتجلى غياب النشاط الخلاق في الشخصية، وفي الفعل، وفي الماهية، وفي الإرادة. صحيح أن الشخصية يمكن أن تتغير ولكنها لا تخلق نفسها بنفسها بالفعل. والفعل في الظاهريات فعل الشعور أو فعل الوجدان، ليس فعلا حقيقيا؛ فالشخص ليس جوهرا ثابتا بل مركز ممكن للنشاط الخلاق، تنفتح أمامه دائما إمكانيات جديدة، ويظل الفعل التركيبي بين الاستقلال والتبعية فعلا تأمليا من متفرج أكثر منه فعلا مباطنا لرسالة الإنسان. ليست الماهية كيانا ساكنا بل هي خلق مستمر ينتجه نشاط خلاق. وأخيرا للإرادة أيضا قصديتها في «الحدس-الفعل»، وليس في مجرد حدس لا عاطفي. وباختصار لو كانت القيم الساكنة في مواجهة الحدس الوجداني، فإن القيم الخلاقة تكون في مواجهة «الحدس-الفعل».