121
هو شرط بحث الصحة التاريخية للنص المقدس. والدليل الوحيد على أن النص المقدس وحي أم لا هو أن يكون الكلام المدون قد نطقه الرسول، وإذا كان النص صحيحا تاريخيا فإنه يمثل ثلث الحقيقة، والثاني إذا كان المعنى المتضمن في النص مطابقا لتجربة الحياة اليومية، والثالث تحول المعنى المفهوم من النص كقاعدة للسلوك وبنية مثالية للعالم. فإذا نقص النص الثالث الثاني عن الحقيقة يبقى الثالث، وإذا نقص الثالث أيضا يصبح موضوعا تماما ولا يتضمن أي وحي، وإذا سادت النزعة التاريخية تاريخ الأديان فإن ذلك يكون امتدادا للمنهج الوضعي في العلوم الإنسانية، ونقد النزعة التاريخية مهمة الفلسفة وليست مهمة تاريخ الأديان، ويتكون النقد التاريخي بالضرورة من البحوث الموضوعية حول الصحة التاريخية للنص، ولا تسيطر عليها النزعة التاريخية لسبب بسيط هو وجود شعور الراوي كوعاء للنقل، تنبع مناهج النقل التاريخي من الشعور وليس من الوقائع المادية؛ لذلك نجحت مدرسة «تاريخ الأشكال الأدبية» نجاحا باهرا؛ لأنها تضع الشعور الفردي والجمعي كالموطن الأول في تكوين النصوص المقدسة. وأهمية «الرد» هو بالضبط وضع كل الوقائع التاريخية بين قوسين من أجل الإبقاء عليها كمضامين حية في الوعي الجماعي، وبالإضافة إلى النقد التاريخي يمكن الاستفادة من تاريخ الأديان في دراسة تطور الوحي من خلال مراحله المختلفة عبر التاريخ. فإذا كانت مهمة النقد التاريخي المحافظة على الصحة التاريخية لنقل الوحي، الشفاهي أو المدون بعد اكتماله، تكون مهمة تاريخ الأديان دراسة تطور الوحي قبل اكتماله في مرحلته الأخيرة. ودون الدخول في أي دراسة مقارنة بين الوحي والتدين التاريخي، يمكن تتبع تطور الوحي من الداخل لرؤية منطقه الداخلي في جدل الكمال والاكتمال.
122
ويخضع المنهج المقارن، المعروف من قبل في فلسفة الدين، لإمكانية التبرير إن لم يتم تطبيقه بشعور محايد،
123
ويخاطر بفقد موضوعيته لو أن معيار المقارنة كان مستمدا من دين محدد، وفي هذه الحالة يحدث تقييم دين على حساب دين آخر طبقا لمخطط الدين الذي ينتمي إليه الباحث. ولما نشأت فلسفة الدين في أوروبا، على ما هو شائع، مهد الدين المسيحي، يخاطر المنهج المقارن بأخذ مخططات الدين المسيحي كمعيار عام صالح لكل الأديان، ويصبح التاريخ والعقائد والمؤسسات والأشخاص؛ أي باختصار كل النسق المسيحي مقياس الأديان الأخرى ومعيارا لها، خاصة تلك التي تنكر هذا النسق، وارتباط المنهج المقارن بتاريخ الأديان قد يسبب مخاطر جمة؛ أولا: فهم الدين دائما كتاريخ، والديانات المحددة ديانات موجودة بالفعل في التاريخ، وتكون هناك خطورة خلط الأنثروبولوجيين بين دين الوحي ودين التاريخ أو ما يسمى بالبدائي، والفرق بين الدينين ليس فقط فرقا في الدرجة بل أيضا فرق في النوع، كما يخاطر المنهج المقارن بالوقوع في النزعة السوسيولوجية، برؤية الظاهرة الدينية كظاهرة فردية أولا، ثم تتدخل بالضرورة البحوث «الإثنية» والأنثروبولوجية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية. (ب) التأويل ذروة العلوم الدينية
124
التأويل هو العلم الديني بالأصالة، والذي يكون لب فلسفة الدين؛ فالواقع أن النص المقدس هو نقطة البداية والأساس الفعلي لكل تفكير موضوعي ومحكم في الدين؛ فقد عرف الوحي عن طريق الكتاب، كما عرفت النبوة، وهي علاقة النبي بمصدر الوحي (الله)، أيضا عن طريق الكتاب، وباستثناء الطريق الصوفي، الكتاب هو المصدر الوحيد للمعطى الديني، بل إن الطريق الصوفي لا يعطي الوحي كلاما أو لغة بل حقيقة وشخصا، إذن النص المقدس هو الوسيلة الوحيدة لمعرفة الوحي، والتأويل هو منطق النص، هو العلم الأول لكل علم ديني ممكن آخر، ويقوم التأويل عادة بمهمتين متمايزتين تماما: البحث عن الصحة التاريخية للنص المقدس عن طريق النقد التاريخي، وفهم معنى النص عن طريق المبادئ اللغوية، كل العلوم التاريخية مرتبطة بالأول، وكل العلوم اللسانية مرتبطة بالثاني، وكل مسائل التراث الشفاهي والتراث المدون والإلهام والتقنين والعصمة والوعي الجمعي مسائل في النقد التاريخي، في حين أن كل مشاكل المعنى الحرفي والمعنى الروحي وطبقات المعنى المختلفة تتعلق بالبحوث اللسانية؛ ومن ثم يخلط التأويل في الحالة الراهنة المهمتين؛ مهمة النقد التاريخي ومهمة التحليل اللغوي. هذا بالإضافة إلى أنه يهمل تماما مهمة التحقيق العملي لمعطى الوحي كنظام مثالي للعالم، وإذا اختلط الشعور التاريخي بالشعور النظري فإن الشعور العملي يكون غائبا تماما.