تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن اللاهوت الوحيد الممكن، لو كان ذلك ضروريا، هو اللاهوت السلبي، وهو لا يتدخل في الشخص الإلهي بل يتناول صفاته فقط، والصفات مقولات إنسانية مثل: العقل والإرادة. ميزة اللاهوت السلبي تنزيه الله من كل نزعة شيئية، وينكر كل تحديد ممكن، لا يعرف الله إلا سلبا؛ ومن ثم يظل التعالي الإلهي بعيدا عن كل تشبيه، رسالة اللاهوت السلبي رسالة تطهير، وهو ضروري من أجل استبعاد النزعات الشيئية والتشبيهية في اللاهوت العقائدي، وقد يكون للاهوت الوضعي المرتبط بالدين الوضعي بعض الأهمية لو تم فهمه.

118

لا يعني «وضعي» تاريخيا كما هو الحال في الدين، أو مؤسسيا كمعناه في اللاهوت، بل يعني فقط «واقعيا»؛ يعني اللاهوت الوضعي أن معطى الوحي يتضمن الواقع في داخله نظرا لأنه بنيته الثلاثية تتضمن الوحي والعقل والواقع، كما يشير إلى أن الحالة الخاصة الجديدة قد يكون لها وضعها المثالي بالقياس، يعني «وضعي» وجود علاقة تماثل بين معطى الوحي كأصل لمعطيات خاصة أخرى مشابهة كفروع، يصبح اللاهوت الوضعي بهذا المعنى العنصر المحرك للدين الوضعي؛ لأنه يدرج دائما الحالة الحديدة داخل الأصل، والاتجاهات الحديثة هي أكثر الحركات ازدهارا في اللاهوت الوضعي، واللاهوت الفيزيقي، وهو أقل خطورة من اللاهوت العقائدي، يضل الطريق أيضا إذا حاول أن يجد في العالم، مثل: الغائية والعلية، براهين على وجود الله. ليس الله موضوعا لأي علم، ولا يمكن البرهنة عليه بأي برهان؛ لأنه ليس له أي وجود مسبق. الله قصدية إنسانية يتم الاتصال بها عن طريق كلماته؛ أي بالوحي، الوحي حقيقة ممكنة تتحول إلى واقع، ويصبح الوحي نظاما مثاليا للعالم، يصبح «الله» العالم، ويصبح العالم «الله»، وتتحقق هذه العملية بعمل الشخص الإنساني؛ ومن ثم لا «يكون» الله، بل «يصير» ويجد دلالته العميقة وواقعه في العالم، ومع ذلك يستطيع اللاهوت الفيزيقي أن تكون له أهمية كبرى في تأويل العلامات الطبيعية في بحث معنى الأشياء، وقد يكون العالم كله علامة تعطي دلالة معينة، يستطيع اللاهوت الفيزيقي بعد رد العالم كموضوع طبيعي أن يصبح نوعا من الكونيات النظرية تقدم خدماتها طبقا للحاجة أثناء فهم نص الوحي، ويصبح النص العلامة اللغوية، ويصبح العالم العلامة الطبيعية، واللاهوت الطبيعي القائم على العقل والتجربة لا علاقة له باللاهوت، بل يشبه منهج التحليل النظري للخبرات اليومية، وهو المنهج الذي يستعمله الوعي النظري من أجل فهم معنى نص الوحي بعد تطبيق المبادئ اللغوية، ليس للاهوت الطبيعي أي علاقة باللاهوت العقائدي؛ لذلك يمتلك وضعه القانوني الخاص، يعطي مجموع دلالات التجارب الإنسانية المتطابقة في مقابل معنى نص الوحي، ولا غنى عن اللاهوت الطبيعي لتأويل نص الوحي؛ لأنه هو الذي يعطي الواقع الإنساني، في حين لا يعطي نص الوحي إلا الحقيقة الموحى بها، أما اللاهوت الأخلاقي، وهو أيضا أقل خطورة من اللاهوت العقائدي، فإنه يضل الطريق إذا أراد أن يعطي الأدلة الأخلاقية على وجود «الله»، ليس «الله» موضوعا للإثبات أو النفي، بل مشروع للتحقق بالعمل، ومع ذلك تبرز أهمية اللاهوت الأخلاقي عندما يدرس السلوك الإنساني بالبحث عن أساس السلوك، وفي هذه الحالة يرتبط بالشعور العملي، ومهمته تحقيق معطى الوحي كنظام مثالي للعالم بالعمل. (15) تاريخ الأديان وعلوم التأويل

119

ومع ذلك يبرز علمان رئيسيان مفيدان لفلسفة الدين، هما تاريخ الأديان وعلوم التأويل. (أ) فائدة تاريخ الأديان

120

تاريخ الأديان جزء من النقد التاريخي، مهمته البحث عن الصحة التاريخية للنص المقدس، يستطيع أن يكتشف المصادر والآثار التاريخية في النص المقدس عبر تاريخه للتخلص منها، وتخليص النواة الأولى من شوائبها التاريخية، تاريخ الأديان إذن مادة ملحقة بالنقد التاريخي دون أن يكون علما مستقلا، وفك رموز الكتب المقدسة طبقا لأكثر القواعد إحكاما للفلسفة، النقد التاريخي أمر ضروري،

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدين · الصفحة ١٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدينص ١٧٨