كان غرض اللاهوت إكمال أوجه النقص في تكوين العقائد أو لرفع التناقض بينها، وكان نتيجة أحداث تاريخية وقت المجامع السكونية الأولى في عصر آباء الكنيسة، ولو أخذت حوادث التاريخ في القرون الستة الأولى مسارا آخر غير الذي أخذته لأخذت العقائد أيضا منحى آخر، ولو أن قيصر أيد فريقا ضد فريق لتغيرت العقائد، وكان يمكن لأقل هبة ريح أن تغير تماما مسار التاريخ. العقائد أشياء لأنها تشير إلى موضوعات وحوادث وأشخاص ومؤسسات، توجد في الخارج على الإطلاق لأنها تنسب إلى نفسها وجودا واقعيا مستقلا عن الشعور الذي خلقها، ثم تكلست وأصبحت مجردة، صورية مغلقة بفضل وضعها في أنساق عقلية مستمرة، في حين أن المعنى المفهوم من النص دلالة خالصة تدل على حقيقة إنسانية يدركها الشعور، وهي مفتوحة على أي دلالة أخرى مشابهة أو مخالفة، وهي عيانية لأنها تدل على واقع إنساني، الوحي أساسا بلا عقائد، وقوة الأشياء في الأشياء ذاتها وليست في الوحي الذي تحول إلى أشياء.
115
وكما يفهم معطى الوحي ليصبح أساسا للسلوك في الشعور العملي، فإنه يستعمل أيضا في الوعي النظري في نظرية الإدراك، معطى الوحي ليس عقيدة مستقلة موجودة بذاتها، ولكنه نموذج قبلي في نظرية المعرفة في صورة شعاع من قالب الشعور إلى مضمونه، من الذات إلى الموضوع، مقابل شعاع آخر من مضمون الشعور إلى صورته، من الموضوع إلى الذات حتى يتم الإدراك.
116
تأخذ العقيدة معطى الوحي كموضوع مغلق على ذاته، مقطوع الصلة بجانبه الحي، وهذا يؤدي إلى البنية القبلية الثلاثية لمعطى الوحي؛ الوحي والعقل والواقع. تأخذ العقيدة العقلي مضاعفا إلى عدد لا نهائي من العقلي حتى تسودها ظاهرة التفريع أو التشعيب العقلي بحيث يصبح كل شيء ممكنا عقليا، ويغيب عن العقائد تماما الوحي الذي يقوم بدور القبلي في الإدراك والواقع الذي يربط الفكر به، فإذا ما غابت العقيدة عن السلوك وفي الفهم فإنها تغيب أيضا كلية في البحث عن الصحة التاريخية للنص المقدس؛ فالواقع أن العقائد التي تكونت في الوعي الجمعي طبقا لحاجة التبشير تظل ثابتة حتى لو أثبت النقد التاريخي أن روايات العهد الجديد من وضع الجماعة الأولى، مثل روايات أخرى انتشرت لدى الجماعة ثم فقدت أو لم يكن لها حظ التقنين وفضله، بل على العكس، كانت هذه العقائد هي مقياس التقنين! وكل الروايات التي كانت متطابقة مع العقائد التي سادت القرون الأولى اعتبرت صحيحة، في حين تم استبعاد الروايات الأخرى التي كان الناس يتناقلونها كذلك جنبا إلى جنب مع الروايات الأولى المقننة؛ ومن ثم فالقانوني ليس هو الصحيح بالضرورة، القانوني هو ما تم إثباته كذلك بالعقائد في حين أن القانوني هو ما يتم إثباته كذلك عن طريق النقد التاريخي.
ولم يتوقف اللاهوت العقائدي على أن يكون لعبة التيارات الفلسفية للعصر، ولم يكن معزولا عن الحركات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في بيئتها، يكفي تتبع نشأة اللاهوت العقائدي وتطوره لرؤية دور الحوادث التاريخية في تشكيل العقائد، كان اللاهوت العقائدي في عصر آباء الكنيسة اليوناني أو الروماني على صلة وثيقة بالهلينستية وميراثها، وفي المسيحية البدائية دخلت المسيحية اليهودية، والمسيحية الهلينستية، والمسيحية الوثنية الرومانية. وكان اللاهوت العقائدي في العصر المدرسي ينسج في إطار الفلسفة اليونانية حتى عصر الإصلاح والنهضة وظهور العلم. اللاهوت العقائدي تاريخ ديني للوعي الأوروبي، شارك فيه الاقتصاد والسياسة والاجتماع، وفي أشد صوره، ليس مقدسا ولا دينيا ولا موحى به،
117
هو مجرد بناء تاريخي ابتداء من تكوين العقائد بالوعي الجمعي بمناسبة حوادث تاريخية معينة ومحددة في عصر آباء الكنيسة، ليس موحى به. إنما الموحى به هو الكلام المباشر للمبلغ، وهو سابق على تكوين اللاهوت العقائدي، وليس دينيا لأنه لا ينتمي إلى النواة الأولى المعطى الديني، وليس مقدسا لأنه الحوادث التاريخية التي وراء نشأة العقائد ليست مقدسة، يمكن أن يصبح اللاهوت العقائدي علما إذا تخصص في الوحي المعلن والكلام الشفاهي ثم المدون، ويحاول البحث عن النواة الأصلية للوحي بعد التخلص من كل الشوائب التاريخية التي تسربت إليه وعلقت به. يتتبع نشأة العقائد وتطورها كخلق الجماعة الأولى كما تفعل مدرسة «تاريخ الأشكال الأدبية»؛ ومن ثم يصبح اللاهوت العقائدي نقدا تاريخيا، وفقط في هذه اللحظة، وبهذا المعنى يستطيع أن يأخذ وضعا شرعيا.