108
وإذا رجع نجاحه بسبب استعمال العقل والتجربة في نفس الوقت، فإنه يستعمل منهج التحليل النظري للخبرات اليومية. اللاهوت والدفاع من نفس النوع؛ فاللاهوت دفاع عقائدي، والدفاع لاهوت خطابي، اللاهوت دفاع عن العقيدة؛ لأنها تثبت دون أي بحث مسبق ميراث العقائد التاريخية بل والزيادة عليها. كانت العقيدة قبل الأخيرة العصمة البابوية، والأخيرة كانت الحمل العذري.
109
وما زال الأمر مستمرا إما على نحو واسع بزيادة العقائد أو على نحو ضيق بالتقنين المستمر لمعجزات جديدة،
110
هذا الميل للخلق المستمر لعقائد جديدة ميل دفاعي في حين أن الدفاع هو خطابة اللاهوت، هو اللاهوت الرخيص الثمن، لاهوت الشعب إذا كان اللاهوت العقائدي غالي الثمن، لاهوت العلماء. الدفاع هو لاهوت العاطفة إذا نقص السامعين الذكاء. هو لاهوت للجميع، والحقيقة أن الدفاع الوحيد الممكن هو الدفاع العلمي، وهو أخذ معطى الوحي كافتراض للعمل يثبته أو ينفيه البحث العلمي؛ فمعطى الوحي معطى إنساني. والبحث دائما في العلوم الإنسانية، وبتعبير آخر يأخذ الدفاع العلمي معطى الوحي كحقيقة ممكنة، ويبحث عن عقلانيتها الداخلية؛ أي حقيقتها الواقعية. يحول الحقيقة إلى واقع، ويقوم بتحويل سماع كلام الوحي إلى رؤية الواقع الذي يشير إليه كلام الوحي؛ ومن ثم يضع الدفاع العلمي منهجا للتأويل يتكون من إيجاد الواقع المطابق في العالم الخارجي مع حقيقة الوحي المعطى سلفا.
111 (ب) رفض اللاهوت
112
اللاهوت نموذج العلم الكاذب، ليس له موضوع أو منهج أو غاية؛ فطبقا للمعنى الاشتقاقي للفظ يعني اللاهوت «علم الله»، والله ليس موضوعا لأي علم؛ لأن الله ليس موضوعا. العلم الديني الوحيد الممكن هو العلم الذي يدرس الوحي؛ فالوحي موضوع الاتصال والفهم والعمل، الوحي إذن هو الطريق الوحيد لتأسيس «علم الله» إذا كان ذلك ممكنا، الوحي كلام الله معطى في كلام إنساني.
113
الوحي إذن قصدية متجهة نحو الإنسان، هو أساسا علم إنسان وليس علم الله، من جهة المرسل إليه، وليس من جهة المرسل. ومن أجل تجنب أي مصطلحات معربة، الوحي «أنثروبولوجيا» وليس «ثيولوجيا».
114
وتشير الأنثروبولوجيا الآن إلى علم إنساني محدد لا شأن له بالوحي كقصدية متجهة نحو الإنسان، يمكن تسميتها إذن «علم الذات» أو «علم الأنا»، والظاهريات علم الأنا؛ أي إنها هي الوحي؛ فاللاهوت طبقا لتعريفه هو الاتجاه المعاكس للوحي، يقلب الوحي ككلام الله متجها نحو الإنسان إلى كلام الإنسان متجها نحو الله! اللاهوت قلب للوضع. اللاهوتي هو أول من يعصي كلام الله بانحرافه عن القصدية الإلهية، في اتجاه معاكس، ويجعل «الله» منغلقا على ذاته. والله قد انفتح بالوحي كقصدية متجهة نحو الإنسان. يشخص اللاهوت كلام الله في شخصه، يترك الكلام لاقتناص الشخص، والله نفسه ينكشف ككلام وليس كشخص، كان يسوع آخر معجزة لبني إسرائيل؛ ليذكرهم للمرة الأخيرة وإلى الأبد بالحضور الإلهي، وكان مولده ومعجزاته ورفعه آخر براهين على التدخل الإلهي في العالم، إنه اللاهوت طبقا لعقائد الجماعة الأولى، والذي أحل شخص يسوع محل كلام الوحي، هو اللاهوت الذي وضع يسوع محل الحضور الإلهي.
ليس اللاهوت غاية في ذاته، وتكوين العقائد وتجميع المعتقدات في مذاهب لا تخلق موضوعات عقلية أو حوادث تاريخية. والمعنى المفهوم من النص أساس السلوك دون أن يكون على الإطلاق نسقا عقليا، لا يوجد مذهب عقلي جامع للدين، بل اتجاهات في الحياة اليومية واقتراحات للممارسة (البراكسيس)، ليس «اللوجوس» هو العالم على الإطلاق أو التاريخ أو مادته أو شخص، بل فقط الأساس العقلي للممارسة، الفكر هو العمل الضمني، والعلم هو الفكر في حالة الفعل، معارك العقائد إذن معارك على الورق دون تغيير حالة العالم قيد أنملة، هجوم مضاد لهجوم، وقضية مناقضة لقضية، وفكرة مخالفة لفكرة. ولا يتجاوز كل ذلك بنية عقلية مجردة، ومجرد تغيير في فاصلة في النص أو وضع نقطة على حرف أو حرف عطف يولد أنساقا لاهوتية كثيرة. والعالم كما هو لم يتغير، ينتظر لحظة تغير اتجاه الفكر نحوه كما حدث بعد ذلك في الإصلاح والنهضة والعلم في العصور الحديثة.