91
اللاهوت الإيجابي في مقابل اللاهوت السلبي، وتدخل هذه المتقابلات وهذه الاختيارات كلية في تاريخ الفلسفة فيما يتعلق بمشكلة الله، ولكن لم يحلل السؤال نفسه بعيدا عن النظريات والأنساق الفلسفية التي تحيط به؛ ومن ثم فإن «مشكلة الله في فلسفة الدين» هي مشكلة الله في تاريخ فلسفة الدين، وبداية مشروع فلسفة الدين بمشكلة الله لم يتم تبريره من البداية؛ إذ تبحث أي فلسفة دين عن نقطة بداية بديهية بداهة أولية، ولو كانت البداية مقولة الذات لأمكن لفلسفة الدين إيجاد واقع بديهي؛ فالكوجيتو بديهي، في حين أن مقولة الله ليست بديهية، فإذا أنكرت فمن أين تبدأ فلسفة الدين؟ وفي فلسفة «الكوجيتو» يتم إثبات الله بعد إثبات الكوجيتو، ولكن في فلسفة الدين كيف يمكن إثبات وجود الله أولا؟ البداية بالله دون تبرير تبين طبيعة اللاهوت العقائدي الذي لم تستطع فلسفة الدين التخلص منه، بل إن لفظ «الله» نفسه ينتمي إلى اللاهوت؛ فالله الذي درس كمقولة أولى في فلسفة الدين يظل هو «الله» كما يتصوره الفلاسفة، وما هو الفرق بين مقولة «الله» ومقولة الإيمان وهي أيضا تحليل لله في اللاهوت العقائدي؟ أي تصور لله يتم اختياره، الله في تاريخ الفلسفة أو الله في تاريخ العقائد؟ ما هي العلاقة في الواقع أو من حيث المبدأ للمقولتين؟ هذه المشكلة تركتها فلسفة الدين دون أن تدركها أو أدركتها ثم علقتها، التعارض بين إله الفلاسفة والإله الحي ليس تعارضا واقعيا؛ لأن الفلسفة عرفت الإله الحي.
92
كان إله الفلاسفة مرة عقليا في بدايات العصور الحديثة، ومرة أخرى حيا وجدانيا وجوديا في العصر الحاضر، والتعارض بين إله الفلاسفة وإله الوحي ليس تعارضا حقيقيا، بل على العكس، إله الفلاسفة عقليا أو حيا، مفارقا أو حالا، إله العقل أم إله القلب أقرب إلى إله الوحي من إله اللاهوت العقائدي، وهو إله تكون في التاريخ أثناء عملية تجلي المقدس، وهو موضوع الدراسة في مقولة الإيمان، والتحليل النظري لفكر تلقائي هو بحق اكتشاف الفلسفة.
93
الله في فلسفة الدين مجموع النظريات الفلسفية، مثل: فلسفة العمل، والظاهريات الترنسندنتالية، وفلسفة الواحد.
94
في الأولى، الله حي في مقابل الإله العقلي، وفي الثانية الله قريب من الحلول ونتيجة الرد من أجل اعتباره مرحلة انتقالية، وفي الثالثة وضع مذهب الواحد في تعارض مع الأنطولوجيا مكتفية بالوجود دون الواحد من أجل الارتباط بالحي، ونقد البراهين والأدلة باستعمال الرد، واعتبار الصفات الإلهية كرؤى قصدية، والمطلق كمطلب وليس لا شخصيا، ومع ذلك تسقط هذه الخطوة المتقدمة من أعلى من أجل اللحاق باللاهوت العقائدي بعد أن تم تطهيره نسبيا؛ فالله فوق العادة، الله الواحد نوع من موضعة الله في الحوار بين الإنسان والله.
95 (12) نقص التمييز بين الأنواع المختلفة للنص الديني في مقولة الفضل
96
وإذا كان لمقولة الذات ولمخطط النفس بعض النجاح في التحليل بسبب بعدهما عن الأسر اللاهوتي والديني، فإن لمقولة الفضل ولمخطط ما يفوق الطبيعة مصيرا مخالفا؛ فقد كان التحليل مجموعا من التاريخ والدين والعقائد واللاهوت باسم فلسفة الدين، وأحيانا باسم المنهج الظاهرياتي.
97
والسؤال هو: هل هناك مشكلة فلسفية للفضل؟ وكيف توضع؟
98
وهي نقطة جيدة للبداية؛ إذ تؤكد الخبرات الحية في الحياة اليومية واقع الفضل، وهي خبرات الإلهام، والمساعدة غير المنتظرة، وقوة الذات بالرغم من حدود الإرادة، وتجارب أخرى تؤكد الفضل في المظاهر المختلفة للحياة الإنسانية، لم يكن تحليل النصوص الدينية إلا حجرة العثرة.
لم يتم التمييز في المستويات بين النصوص الدينية. أولا: ليس نص العهد القديم على نفس مستوى العهد الجديد، صحيح يوجد بعض الاتصال بين العهدين، ولكن يوجد أيضا انقطاع جذري بينهما، لم ينتج الجديد عن القديم بل له أصالته الجذرية، ويمتد هذا التواصل المزعوم إلى درجة الخلط الذي يظهر في لفظ «كتاب» للإشارة إلى العهدين معا في نفس الوقت، وبالرغم من أن تحديد «العهد القديم» و«العهد الجديد» يشير إلى الاتصال باللفظ المشترك «عهد» كما يشير اللفظان المتعارضان «القديم» و«الجديد» إلى الانفصال، فإن الخلط بينهما ما زال قائما. وإن تسمية العهد الجديد قد أسقطت إلى الوراء التسمية الأخرى «العهد القديم» على التوراة ويعني فقط القانون؛ فالجديد هو الذي خلق القديم، كانت تسمية «العهد الجديد» تسمية وعظية للإنجيل الذي يعني فقط البشارة الطيبة. الألفاظ الصحيحة هي إذن «الكتاب»، ويشير إلى الوحي المدون، و«التوراة» للإشارة إلى شريعة موسى، و«الإنجيل» إشارة إلى البشارة الطيبة التي أعلنها المسيح. ثانيا: نصوص الإنجيل ليست على نفس المستوى؛ فالنص المتواتر في الأناجيل الأربعة ليسوا على نفس مستوى نص من الرسائل؛ فيسوع هو المسيح، وليس بولس أو يوحنا أو بطرس أو يعقوب ... إلخ. والنص المتقابل في الأناجيل الثلاثة الأولى ليس على نفس مستوى نص الإنجيل الرابع.