فالتمييز بين المقولة والمخطط، الأول ينتمي إلى الفلسفة والثاني إلى اللاهوت، ليس دقيقا؛ فكثير من المقولات مخططات، وكثير من المخططات مقولات. أولا: المقولة أحيانا مخطط لأن المطلق تصور فلسفي مثل المفارقة، في حين أن «الله» تصور ديني، ومقولة الذات أيضا مخطط، ولكنه تصور فلسفي مثل النفس، والخلق تصور ديني؛ ومن ثم فإن المقولة والمخطط تصوران فلسفيان، يشيران إلى نفس الشيء بلفظين فلسفيين مختلفين. ثانيا: يكون المخطط أحيانا مقولة؛ فمخطط ما يفوق الطبيعة تصور ديني تماما مثل مقولة الفضل، والمخططات الواقعية والعقائدية والمخططات العقائدية بالمعنى الدقيق وقائع خاصة باللاهوت العقائدي، مثل مقولة الإيمان دون أن تكون على الإطلاق تصورات فلسفية، ومخططات السقوط والفداء والجحيم تصورات دينية، مثل مقولة الخطيئة، دون أن تكون على الإطلاق تصورات فلسفية، ومخطط الجذب تصور ديني مثل مقولة الإحسان. ثالثا: المقولة أحيانا مخطط، والمخطط مقولة؛ فمقولة الحدوث أو الحادثة تصورات فلسفية في حين أن مخططات الوحي، والإلهام، والعهد، والخلق، والعناية، وتاريخ الخلاص، والأخرويات، والبعث، والخلود؛ تصورات دينية، ومقولة الشامل تصور فلسفي في حين أن مخطط الكنيسة تصور ديني. رابعا: ليس للمقولة مخططها الملائم، وليس للمخطط مقولته الملائمة؛ فلمقولة المعجزة مخططها في الحرية الإنسانية وفي لا حتمية قوانين الطبيعة، وليس في مجرد المعجز، ولمقولة الكلمة مخططها في الكلام وليس في المتوسط أو الرابطة، وهي مخططات تنطبق أكثر على الكنيسة كمقولة.
وعلى فرض أن التمييز بين المقولة والمخطط تمييز دقيق ومحكم، فإن فلسفة الدين الناتجة عن ذلك فلسفة تصورات «محاولة في دلالة المسيحية» ممكنة ابتداء من فلسفة في الدلالة، والمسار من التصورات إلى الدلالة ليس مسارا مباشرا، بل يمر عبر الشيء المقصور والدال، ويكون دور التصور هو مجرد اللفظ، يميل اللفظ إلى الشيء، ويحيل الشيء إلى الدلالة بعد فهمها والتعبير عنها باللفظ، فلسفة التصورات هي فلسفة اللغة بعد تكبيرها ونسبة وحدات عقلية ووجود واقعي للألفاظ أكثر مما لها.
88
فلسفة الدلالة بحث في الأشياء حتى قبل أي محاولة لوضعها في قالب تصوري، وتؤدي إلى ظاهريات التجارب السابقة على الحمل المنطقي. فلسفة التصورات إذن نقيض فلسفة الدلالات. وإذ انتهى منهج التحليل النظري والنقدي إلى فلسفة التصورات، كان يمكن للمنهج الظاهرياتي أن ينتهي إلى فلسفة الدلالات، صحيح كان يمكن لدراسة المقولات والمخططات أن تكون أكثر أهمية لو تمت باسم فلسفة التصورات وليس فلسفة الدين. التصورات موضوعات للدراسة: مصادرها، طبيعتها، علاقاتها ... إلخ. وفي هذه اللحظة يخضع للدراسة كل جهاز تصوري للدين خاصة المسيحية، ولو طبق المنهج الظاهرياتي لأصبح للتصورات استقلالها بالنسبة لمضامينها، ووجودها الذاتي بالنسبة لمصدرها، ولشمولها بالنسبة إلى النزعات النفسية.
89
كان بالإمكان إحالة التصورات إلى مضامينها الحية المثالية، وإلى تجاربها النمطية، وإلى وقائعها الموضوعية في الحياة اليومية. التصورات نصوص دينية؛ إذ يأتي المعطى الحي من التجربة اليومية، وتقدم العلاقة بين النص والتجربة مادة منهج للتأويل؛ وبالتالي لظاهريات للتأويل. (11) الخلط بين الفلسفة والدين في مشكلة الله
90
مشكله الله في فلسفة الدين ليست على نفس المستوى المرتفع للتحليل مثل مقولة الأنا والفضل والإيمان، والتحليل ابتداء من بداية جذرية أقل قوة من تحليلات المقولات الأخرى، ويتحدد التحليل عن طريق المقابلة، وتتطلب اختيارا مثل: الله الحي في مقابل «الله» كما يتصوره الفلاسفة، الرد في مقابل البرهان، الألوهية في مقابل الأنطولوجيا،