81 (9) حدود محاولات فلسفة الدين
82
لفلسفة الدين ثلاث مهام: (أ)
النقد الفلسفي لمعطى الوحي، ويشمل:
نقد اللغة الدينية.
نقد البنيات الدينية ابتداء من مصادرها في تطورها ومعانيها.
الحكم الشامل على القصدية التي تستعمل هذه البنيات في المستويات المختلفة للشعور. (ب)
مناهج بحث علم الدين التي تحتوي على مناهج خاصة في:
تاريخ الأديان، أشكالها، الدراسات المقارنة.
التأويل.
الوعظ أو التبرير أو الدفاع.
اللاهوت مع إمكانية علم النفس الديني، وظاهريات الدين، وعلم الاجتماع الديني. (ج)
النقد المعرفي للبحوث الدينية الفعلية، وتتضمن نقد مذاهب اللاهوت الوعظي، وتاريخ الأديان ... إلخ.
83
هذه المهمة الثلاثية نسق عقلي، ومع ذلك ليست المهمة الثانية، مناهج بحث علم الدين، مهمة مستقلة؛ فالعلوم الدينية جزء من دراسة فلسفة الدين للمعطى الديني، ويقدم تاريخ الدين مادة النقد التاريخي، ويقدم التأويل التاريخي أيضا مساهمته في النقد التاريخي، في حين أن التأويل كمنهج للتفسير يكون مادة التحليل اللغوي لفهم معنى نص الوحي، والوعظ واللاهوت يضلان الطريق، ويسيران معا جنبا إلى جنب. الأول لاهوت خطابي، والثاني وعظ عقائدي. ولا يكونان أي علم ديني، والظاهريات الدينية ليست علما مساعدا يضاف مع علم النفس الديني وعلم الاجتماع الديني إلى العلوم الدينية الرئيسية: تاريخ الأديان، الوعظ، التأويل، اللاهوت ... إلخ. وتحتوي الظاهريات منذ البداية في داخلها علم النفس الديني في صورة علم النفس الوصفي أو علم النفس النظري لتجنب النزعة النفسانية في علم النفس الديني، وتحتوي أيضا على علم الاجتماع الديني في صورة التجربة المشتركة لتجنب النزعة «السوسيولوجية» أيضا، وتستطيع الظاهريات ذاتها أن تخطو خطوة إلى الأمام كي تصبح ظاهريات الدين، ثم بعد ذلك ظاهريات التأويل.
إن أول مهمة لفلسفة الدين، النقد الفلسفي لمعطى الوحي، وثالث مهمة، النقد المعرفي للدراسات الدينية الفعلية، يسيران جنبا إلى جنب، وعلاقة الأولى بالثانية مثل علاقة العام بالخاص، وعلاقة المعيار بالمعار، وعلاقة النظرية بالتطبيق؛ فالواقع أن النقد الفلسفي للمعطى الديني الذي يمكن أن يكون من أي دين تاريخي يضع سؤال المعايير العامة لكل بحث ديني، فهل حقق النقد مهمته الثلاثية: نقد اللغة الدينية، ونقد البنية الدينية، والنطق بحكم شامل؟
والرد بالنفي. أولا: لم يتم نقد اللغة الدينية؛ فالمصطلحات الدينية خاصة مصطلحات اللاهوت العقائدي ما زالت باقية: الله، الكلمة، الخطيئة، الكنيسة ... إلخ.
84
مهمة نقد اللغة الدينية وتطهيرها لجعلها أكثر شمولا وإنسانية وانفتاحا، ولم يقم النقد بهذه المهمة. ثانيا: لم يتم نقد البنيات الدينية تماما؛ فقد تم نقدها من أجل إعادة بنائها على أحسن وجه، ومن أجل إعادة التركيب على نحو أفضل، كان الهدف من نقد المقولة إثبات المخطط؛ مما يؤدي إلى نفس نقطة البداية، وكأن النقد لفهم البنية ليس للبنية ذاتها، نقد السطح، وليس نقد العمق. صحيح أنه تم تتبع نشأة البنية وتطورها بطريقة رائعة، ولكن لم يحدث وصف مسار تجلي المقدس كمسار طبيعي حتمي، يقبل الوصف كواقع دون رفضه كمبدأ، وهكذا لم يستعمل معنى النص كمعيار لمسار تجلي المقدس للحكم عليه. وهذا يقود إلى المهمة الثالثة، وهي إصدار حكم شامل، وهو ما لم يتم حتى الآن. كان الفهم التشريعي فهما خاليا من أي معيار، وهذا يعود في آخر المطاف إلى معنى لفظ «نقد»، لا يعني «نقد» الحكم على ما هو موجود «في الواقع» لأنه موجود في المبدأ، بل يعني فقط فهم ما هو موجود بطريقة أقل عرضة للتجريح مما هو عليه الآن؛ ومن ثم فإن المهمتين الأولى والثالثة اللتين تتكاملان لم يتم القيام بهما، ولم تنته فلسفة الدين إلى وضع معيار لكل دين ممكن؛ لأن النقد لم يتم إلا إلى المنتصف، وتوقف في منتصف الطريق، ولم ينته إلى نقد للديانات الخاصة لأن النقد كان سلفا فهما جديدا لدين خاص، وهو الدين المسيحي.