تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتبلغ ذروة إنكار الحركة في أعمال هوسرل في كتاب «الأرض لا تتحرك»، يقلب فيه الثورة الكوبرنيقية في دوران الأرض إلى ثوره مضادة في ثبات الأرض، ويتعرض لمفاهيم المكان والجسد والكرسي والأرض من أجل تحويل مفاهيم علم الطبيعة إلى نظرة مثالية للعالم، وهو أشبه بمحاضرات «التحليل الداخلي للزمان» لعام 1905م. وعلى منواله نسج هيدجر «نشأة العمل الفني»؛ فنحن نسير على البسيطة، ولكن الأرض هي كوكب مثل باقي الكواكب، لها فلك ثابت يجعل معنى الحركة والسكون ممكنا. ونسير في المكان حيث تختلط حركة الجسد وسكونه بالكرسي الذي أجلس عليه، ولا يتكون المكان من أنماط متعددة لتجسدي ولميادين مختلفة لحساسيتي، نحن نسير وسط الأشياء، فكيف تتكون إذن طبقا للأساس الحاضر لإدراك العالم المحيط الخارج عني؟ وكان قد تعرض هوسرل لنفس الموضوع في مخطوط سابق (نشأة العالم) عن نشأة العالم في الشعور لحظة الوعي به، وليس خلقه كما هو الحال في اللاهوت الطبيعي وفي علم الكونيات.

66

ينشأ المكان في الشعور، وتنشأ الحركة فيه. فأنا الذي أتحرك وليس الأرض، وأول صلة بالعالم هو الكرسي الذي أجلس عليه.

67

الحركة والسكون بعدان للجسد في المكان، وكلاهما قصد للتوجه في العالم. وليس العامل هو الذي يتحرك في الجسم، ولو قفز الجسم فوق العالم فإنه أيضا يتحرك فيه وليس خارجه. العالم ميدان للتوجه وميدان لحركة الجسم. العالم صفة للجسم، والحركة والسكون صفتان للجسم. المكان البصري خداع ناتج عن الإدراك، المكان الخارجي بين قوسين، ولا يوجد إلا المكان كبعد للجسد.

الحاضر الحي هو الوحدة التصورية لمعطيات الإدراك الحسي، هو العالم الأول قبل العالم الثاني خارج الشعور، ثم يأتي تكوين الآخرين والكرسي كأول موضوع للعالم المحيط خارج مكان الجلوس.

68 (2) الحركية في التطور اللاحق للظاهريات وتحولها إلى أنطولوجيا ظاهراتية

69

يوجد في الظاهريات تيار أخذ الحركة كمخطط «دينامي» رئيسي، وهو تيار فلسفي أكثر منه تيارا منهجيا.

70

ويظل «العالم المعيش» الذي بدأت منه الظاهريات في كل قوته كدافع وانبثاق وتقدم نحو المستقبل، إلا أنه يتحول إلى الطرف الآخر رافضا أي عملية تقوم على مخطط وكل بطء منهجي.

71

ولم يتم تحليل العواطف والانفعالات أو القيم دائما تحت عنوان الظاهريات،

72

بل يستعمل هذا اللفظ أحيانا داخل التحليل ملحقا بلفظ آخر أو بمفرده،

73

ويتم على العموم تحليل الحياة العاطفية مباشرة دون تطبيق بالمعنى الدقيق للمنهج الظاهرياتي. وقد تم وصف الحقد، الحياء ، الألم، الحب، المأساوي ... إلخ دون الاستعانة بأي مصطلحات ظاهرياتية. يأخذ المؤلف على عاتقه مسئولية تطوير الظاهريات وتفسيرها بطريقته الخاصة.

74

وتتطور الظاهريات مرة أخرى كي تصبح أنطولوجيا وجدانية،

75

وتتسم باتجاه موضوعي وواقعي طبقا للطبيعة العيانية للمشاكل المعروضة، وهي المشاكل الأخلاقية والدينية، تعطي الأولوية للوجود على المعرفة، وصنف مؤسس الظاهريات بين المفكرين الذين انشغلوا بالمشكلة الأساسية لكل نظرية في معرفة العلوم الأخلاقية؛

76

فهو أخلاقي أكثر منه إبستمولوجي، وفي المعرفة اعتبر مناصرا للمثالية الغنوصية.

77

ومن ثم أصبحت القصدية العقلية قصدية وجدانية، والقيمة موضوع الوجدان الذي يتجه إليها. وإذا كان عالم الماهيات المنطقية دائما في علاقة تضايف مع المسارات العقلية التي تسمح لها بالظهور، كذلك يظهر عالم القيم كإجابة على كل المسارات القصدية.

78

ليس الرد الظاهرياتي فقط عملية منطقية بل قلب داخلي للوجود، ليس مجرد توقف عن الحكم بل مشاركة فعلية في تكوين الموضوع، هو اتساع وتعميق لهذا الزهد الذي يبدأ المعرفة الفلسفية ويصاحبها؛ ومن ثم فإن مؤسس الظاهريات لم يعمق بما فيه الكفاية طبيعة «لحظة الواقع»، وتصور الرد على نحو منطقي خالص تماما؛ فإذا أصبحت الأشياء ظواهر عند مؤسس الظاهريات، فإن الظواهر تصبح أشياء في الظاهريات الوجدانية؛

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدين · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدينص ١٦