69
وتبين الملاحظة الثانية فيما يتعلق بالدين الحي والتباين النقدي الهدف الوعظي الواضح لفلسفة الدين التي ستتأسس فيما بعد، وقد استدعي الدين الحي لتحقيق مصالحة بين الدين والتفكير ، وبين الدين والحضارة. ويقترح التباين النقدي مستويين للشعور، لو نقد أحدهما ظهر الآخر؛ ومن ثم لا يخشى الدين من الفصل النقدي بعد استبعاد خطر النقد، وأقفل الطريق على النقد بحيث لم يعد إلا نمطا جديدا من العقل اللاهوتي، لم يكن هدف الفصل إلا ارتكاز العقائد على أفضل أركانها.
70
وتعني عملية الوحي أيضا نقل الوحي المكتمل، المرحلة الأخيرة من تطوره، من المبلغ الأول إلى السامع الأخير، وهي عملية تاريخية تتحقق في وعي الرواة، ويتحكم النقد التاريخي في هذا المسار لأن مهمته هي البحث عن الصحة التاريخية لنص الوحي، يعني مسار الوحي أيضا المراحل المتتالية لفهمه ابتداء من مبادئ التشابه في اللغة حتى التحليل النظري للخبرات اليومية للانتهاء إلى البنية القبلية للوحي، وهي مهمة التحليل اللغوي من أجل فهم معناه. وأخيرا يعني مسار الوحي التحقيق العملي لمعطى الوحي كنظام مثالي للعالم،
71
ويتضمن تحليل مشروع الوحي كقصد وفعل وأنماط للسلوك، ومسار الوحي الذي يقترحه منهج الفصل مسار مادي، يبدأ من الموضوعات، ثم مسار لاهوتي يحيل إلى «الله»، نص الوحي ليس موضوعا بل هو كلام منقول ومفهوم ومحقق بالفعل، ولا يحيل الكلام إلى أحد غير الشخص الإنساني. هو قصد تجاه الإنسان، الوحي قصد إلهي نحو الإنسان، وخطأ اللاهوت تصوره للوحي كقصد إنساني نحو الله، وهو قلب للوضع، وعلى نقيض القصد الإلهي.
وأول لحظة في منهج الفصل، مسار الوحي، ويتضمن ملاحظتين: الأولى رؤية الله من خلال الموضوعات الموحية، ومسئولية الإنسان عن تمثل الله.
72
ومسار الوحي أكبر من ذلك وأكثر شمولا؛ إذ يعني مسار الوحي في التاريخ، وفي هذه اللحظة تتم دراسة المراحل المختلفة المتتالية للوحي حتى تحققه في المرحلة الأخيرة، هذا المسار موضوع فلسفة التاريخ الديني، وليس التاريخ المقارن للدين، يتبع الأول فقط تطور الوحي، في حين يدرس الثاني الآثار التاريخية داخل الوحي أثناء تطوره أو بعد اكتماله، هذا فضلا عن أن التاريخ المقارن للدين يقوم بشيء غير مهمته الخاصة، يضع الوحي على نفس مستوى التدين التاريخي لما يسمى الشعب البدائي لبيان سمو الأول على الثاني، موضوعات الوحي علامات الطبيعة، وتتجلى في الخبرات اليومية، فإذا كانت دلالاتها متطابقة مع المعاني المفهومة من نصوص الوحي ابتداء من التحليل اللغوي، في هذه الحالة تكون الموضوعات موحية بالله، حيث إن الموضوع خبرة يومية، والله كلام الوحي. وإذا كان الإنسان هو المسئول عن تصوره لله، فهذا ما يؤكده تاريخ الدين المقارن؛ فقد خلق الله الإنسان على صورته وأعادها الإنسان إليه! ويبرهن أيضا النقد التاريخي للنص المقدس على أن العقائد البدائية من خلق الجماعة الأولى لحاجة التبشير والوعظ الديني، ويشهد على ذلك مدرسة «تاريخ الأشكال الأدبية» الذي كان هدفه تخليص النص من شوائبه التاريخية.
73
وعلى العكس من ذلك استعمل هذا الإثبات لتبرير الآثار التاريخية، بالإضافة إلى أن مسار تجلي المقدس الذي يوجد «في الواقع» لا يوجد من حيث المبدأ في دين الوحي، بينما يمكن أن يوجد «في الواقع» و«من حيث المبدأ» في الدين التاريخي.
وكان يمكن من خلال اللحظة الثانية في المنهج، الفهم التشريعي أو الوصف القائم على المعايير، تطهير النواة الأولى من شوائبها التاريخية، ولكنها اكتفت بمسار تجلي المقدس دون إصدار أحكام عليها، والبرنامج التنفيذي مثير: وصف الأبنية الدينية طبقا لمنهج للفهم، وهي مهمة التحليل اللغوي، ودون نسيان أي تعاليم من الجوانب الموضعية؛ أي التاريخ، وتلك مهمة النقد التاريخي، وإضافة مبحث للوجود (أنطولوجيا) أو مبحث للقيم (أكسيولوجيا) إلى الظاهريات يسمح للوصف بالبحث في جذور الحركية الروحية وتبريرها له، وتلك مهمة التحقق العملي.