وينقص منهج الفصل الذي بنت عليه فلسفة الدين آمالا كبيرة شيء واحد، وهو الفصل! إذ إن فلسفة الدين الذي انتهى إليها منهج الفصل، خليط من الدين والفلسفة، والتاريخ والعقائد، ولو أن العلاقة بين الدين والفلسفة قد تحددت من قبل، وهذا هو الدور المنوط بالفصل، لأمكن الوصول إلى الأنواع الثلاثة في فلسفة الدين، وتجنب الخلط بينها، ويمكن لمنهج الفصل أن يقدم خدمة جليلة لو استعمل كإجراء للتمييزات الأساسية في كل ميدان يحدث فيه الخلط، ولانضم إلى المنهج الظاهرياتي الذي يبدأ عادة بتمييزات أساسية، حينئذ يكون لمنهج الفصل فضل الفصل بالفعل.
ثانيا:
النقد الذي يكون مع التحليل النظري أساس منهج الفصل هو يقينا نقد، ولكنه نقد فلسفي وليس نقدا تاريخيا. صحيح أن اللاهوت العقائدي في حاجة إلى نقد فلسفي، من أجل إقامة العقائد على أفضل أوجهها العقلية، كما أنها في حاجة إلى نقد تاريخي، من أجل ربطها بمصادرها الصحيحة في معطى الوحي. نقد التحليل النظري هو فقط نقد فلسفي للاهوت العقائدي من أجل صياغة فلسفة للدين لتحقق نفس الغرض؛ أي تأسيس «علم الله». صحيح أنه تمت دراسة مقولة الذات، ولكن سبقتها مقولة المطلق الذي تنفتح عليه الذات، وقد أدى النقد إلى فهم أفضل للدين، بالنسبة للاهوت العقائدي، ولكنه ظل خاضعا لمنطلقاته.
66
النقد من حيث المبدأ هو النقد التاريخي، يتناول المشكلة من أساسها؛ أي الصحة التاريخية للنص المقدس، وكل تحليل نظري غير مسبوق بالنقد التاريخي ينتهي إلى الفشل إذا كان للنص درجة ضعيفة من الصحة التاريخية أو كان غير صحيح على الإطلاق. مهمة النقد التاريخي استقبال معطى الوحي من فم المبلغ وتتبع مساره في التاريخ كتراث شفاهي أولا، ثم كتراث مدون ثانيا، وما إن يثبت أن نص الوحي يحتوي على نفس الكلام المسموع من فم المبلغ، في هذا الوقت، وفي هذا الوقت وحده، يتدخل التحليل النظري من أجل فهم معنى النص؛ ومن ثم يسبق النقد التاريخي التحليل النظري. وهما مهمتان متميزتان يقوم بهما وعيان متميزان؛ الوعي التاريخي، والوعي النظري.
وينقص منهج الفصل كل قواعده العملية؛ إذ يتكون من مجموعة من الملاحظات العامة على فلسفة الدين حتى قبل نشأتها، ودون الاعتماد على الملاحظات الأولية، يتكون منهج الفصل من لحظتين؛ عملية الوحي والفهم الشرعي له أو الوصف القائم على المقاييس.
والملاحظتان الأوليتان تمهدان للمنهج؛ الأولى أن السذاجة والافتراض المسبق لا يتزاوجان كما يريد منهج الفصل، بل على العكس يتعارضان؛ فالسذاجة تنفي الافتراض المسبق. الأولى حياد الشعور في بداية جذرية، والثانية وضع للشعور في حالة افتراض مسبق، وحكم سابق، بل إنه ليس تغيير الحياد؛ لأن ذلك لا يأتي إلا بعد الحياد الذي يرفض الافتراض المسبق. الشعور أولا محايد، ثم يتوجه طبقا لمعطى الوحي الذي يقوم بوظيفة القبلي، والشعاع من صورة الشعور إلى مضمونه أو الشعاع الذاتي الموضوعي في الإدراك، هذا القبلي ليس مصادرة متخفية أو ظاهرة، بل يدخل في بنية الشعور بمجرد ما يواجه نص الوحي، وهكذا لا يوجد أي استدعاء واع لأنها محكومة بحياد الشعور.
67
والنقاط التي تلخص الملاحظات إما بديهية أو مختلطة،
68
مثلا لا تستغني أي دراسة نقدية عن الفلسفة، وتعلن هذه الفلسفة عن نفسها على الملأ، وفلسفة الدين لا تستحوذ على موضوع الدراسة. ومع ذلك، القول بأن فلسفة الدين لا تقوم إلا على أساس تيار فلسفي معين من بين تيارات أخرى في حاجة إلى مزيد من التوضيح، أي فلسفة للدين؟ هل تبرير الدين كما كلسه اللاهوت؟ وبأي فلسفة وفي أي عصر؟ هل يتم تحويل الدين إلى فلسفة ثم نقلها بمساعدة هذا التحويل؟ وأي بحث في فلسفة الدين؟ في النوعين الأولين الفلسفة ضرورية للدين لتبرير النوع الأول وتحويلها إلى الثاني، وفي النوع الثالث يتأسس الدين كبحث استقصائي من شعور محايد ابتداء من بداية جذرية، ويمكن إنارته بالظاهريات بسبب التجانس المطلق بين الاثنين، أما إذا أحلت فلسفة الدين محل الدين فإنه حكم غامض، وذلك لا ينطبق على فلسفة الدين كتبرير، يمكن أن يحدث ذلك في فلسفة الدين كتحويل أو نقل إلى حد كبير، وتستطيع ذلك تماما فلسفة الدين التي تقوم على الظاهريات؛ لأنها هي الدين نفسه في أصله ونقائه.