ثالثا:
ضرورة وجود مقاييس أنطولوجية هو أيضا نوع من «الترقيع» ترفضه الظاهريات كعلم مستقل قائم بذاته، فضلا عن أن الظاهريات تتضمن أنطولوجيتها الخاصة بها أنطولوجيا المناطق كافية لكل أنطولوجيا جذرية، ولها ميزة السيطرة على المناطق لأنها تنبثق من الشعور، الأنطولوجيا فقط تخاطر بوجود موضوعات ليست مناطق للشعور، ربما تكون المقاييس المطلوبة مجرد وسائل لتبرير مقولات المسيحية ومخططاتها دون بحث مسبق هل تكون أم لا مناطق للشعور.
58
ومن وقت لآخر وطبقا لحاجات الوعظ، تنقد الظاهريات الترنسندنتالية كمثالية أو حلولية مغلقة أو زمانية خالصة أو ثنائية جديدة بين فعالية البدن وسلبية الروح.
59
والواقع أن مثالية الظاهريات ليست صورية فارغة، بل مثالية تجريبية وملاء، والحلول الظاهرياتي ليس خلطا بين المثال والواقع، بل غوص في أعماق الأشياء لإدراك ماهياتها، والزمانية الظاهراتية ليست إلا نمط حضور للخلود. وأخيرا، الثنائية الظاهراتية هي وظيفة مزدوجة للشعور، وكقصدية تكون الموضوع، وهو الروح، وكمركز للحركة في العالم، وهو البدن، وكيف يمكن إقامة ظاهريات لما يفوق الطبيعة إذا كان الموضوع في الظاهريات موضوعا حالا بالأساس؟
60
لم تستعمل الظاهريات إلا كي تعطي أساسا حديثا أو تحديثا للاهوت الرسمي، وليست تقويمية لتصحيح الموضوع والمستوى والأساس، وهل كل معالجة للاهوت القائم تسمى ظاهريات؟
وفلسفة الدين مطعمة بالظاهريات بين الحين والآخر، هي أساسا عود إلى الأشياء ذاتها، وليست نصوص الوحي أو النصوص المقدسة أو النصوص الدينية إلا وصفا للحقائق الإنسانية؛ أي الوقائع.
61
وفلسفة الدين ليست تأملا نظريا في العقائد التاريخية، بل البحث عن هذا الواقع الإنساني الذي تصفه نصوص الوحي، والتي تم تشويهها في النصوص المقدسة أثناء نقل الوحي شفهيا ثم تدوينها وضياعها تماما في النصوص الدينية، وفي نفس الوقت بحث عن الواقع الإنساني المقابل في العالم الخارجي، وهذا البحث الأخير ممكن بمنهج التحليل النظري للخبرات اليومية، ويقوم على نظرية الإدراك يقوم فيها نص الوحي كنواة من صورة الشعور إلى مضمونه مقابل الموضوع الحي الذي يخرج منه شعاع مقابل من مضمون الشعور إلى صورته.
62
وهكذا تؤدي فلسفة الدين بالضرورة إلى منهج تأويل ضروري لفهم النص مع التحليل الوجودي للواقعة الإنسانية. ولو قامت فلسفة الدين بالعودة إلى الأشياء ذاتها لتخلصت من كثير من الخلط بين النص والتجربة، وبين الوحي والتاريخ، ولتخلصت أيضا من اللغة الدوجماطيقية للعقائد التاريخية وأسماء الأعلام من أجل اقتناص الحقائق الإنسانية.
63
والفصل (جزء من الكتاب) ليس قطعة من التاريخ بل جانب مكتشف من الشيء ذاته. (8) عيوب منهج الفصل
64
ولمنهج الفصل القائم على التحليل النظري والنقدي ميزات كثيرة حتى من مجرد التسمية، ومع ذلك فعيوبه كثيرة، ويتكون، طبقا لأسسه، من تحليل نظري ونقدي.
أولا:
التحليل النظري من حيث المبدأ جزء من المنهج الظاهرياتي الذي رفض من قبل كمنهج للبحث في فلسفة الدين، والتحليل النظري للخبرات اليومية هو الجزء الرئيسي في المنهج الظاهرياتي الخام قبل أي عقلنة لمفاهيمه أو أي ترتيب لقواعده أو أي صياغة لمصطلحاته؛
65
فالتحليل النظري من ناحية والخبرة اليومية من ناحية أخرى يكونان جانبي المنهج الظاهرياتي؛ ومن ثم فإن التحليل النظري الذي يقوم عليه منهج الفصل هو نوع من التفكير ابتداء من معطيات التاريخ في الظاهرة الدينية، هو تفكير في اللاهوت العقائدي أكثر منه تفكيرا قائما بذاته مستقلا عن أي مضمون للتفكير. وبتعبير آخر، التحليل النظري هو نوع من اللاهوت الجديد، يأخذ العقائد القائمة ويبحث عن أفضل جانب ترتكن عليه، وأفضل واجهة تعرض فيها؛ فالتفكير ليس من جانب صورة الشعور بل من جانب مضمونه، فقد استقلاله التام كي يصبح مادة خالصة، والتحليل النظري لا يأخذ النقد شريكا له؛ فالنقد بعد آخر للشعور، بل التجربة الحية في الحياة اليومية. النص من جانب والتجربة من جانب آخر هما مادة منهج التحليل النظري للخبرات اليومية؛ فالواقع أن النصوص، بعد التحقق من صحته بالنقد التاريخي، أمام الشعور. والشعور هو تراكم الخبرات الحية، النص صامت؛ يحتاج إلى تمثل المعنى، ويقوم الشعور بهذا الدور. يحتوي النص على المعنى كإمكانية مثالية، ويتضمن الشعور هذا المعنى كإمكانية واقعية، والتأويل هو إيجاد التماثل بين المعنى المثالي في النص ودلالة الخبرة الحية، وكل منهما يحيل إلى الآخر فيتم الفهم، يقوم المعنى المثالي بدور القبلي في نظرية المعرفة، هو شعاع من صورة الشعور إلى مضمونه، يجعل الإدراك ممكنا إذا ما قابله شعاع آخر من مضمون الشعور إلى صورته، ثم يصبح بعد ذلك مثالا للعمل، ويكون البنية المثالية للعالم ثم تصبح بعدها بنية واقعية بالعمل، ولا ينتمي هذا التحول إلى التحليل النظري بل إلى التحقق العملي، لم يعد دور الشعور النظري بل دور الشعور العملي.