53
صحيح أن الحب له طرقه إلى الذات وإلى الآخر وإلى العالم دون أن يتجه بالضرورة نحو إله أيا كان. وأخيرا، التجربة الصوفية حقيقة واقعة تثبتها التجارب المشابهة، مثل التجربة الجمالية والتجربة الميتافيزيقية والتجربة الأخلاقية، دون أن يكون لها بالضرورة طبيعة تقود إلى إثبات ألوهي أيا كان. وباختصار، كان الهدف من نقد النظريات الفلسفية والدينية التمهيد للإثبات الألوهي كما هو الحال في اللاهوت العقائدي. وحتى إذا كان النقد الموجه إلى الحديث الفلسفي أو الديني خاليا من أي إثبات ألوهي، فإن الواقعية الشخصانية التي يقود إليها تستحق التقدير مقارنة باللاهوت العقائدي النسقي اللاشخصي. صحيح أن ميتافيزيقا واقعية كحقيقة خالصة مأمول فيها، أما إذا كانت هذه الواقعية إسقاطا من اللاهوت العقائدي للتثليث فهذا ما يتجاوز العقل الإنساني. وصحيح أيضا أن مشاكل الفكر والعمل والشخص تنتمي إلى الوجود الإنساني دون أن تكون استنباطا من حوادث تاريخية داخل أي نسق عقائدي أيا كان؛ إذ تتكون الجماعة التي ينتسب الشخص إليها من خلال التجربة المشتركة دون أن تكون نقلا من الأساس من مؤسسة دينية أيا كانت مثل الكنيسة. ويتكشف القصد الرئيسي من الواقعية الشخصانية في مشكلة «الله» والشخص، الشخص الإنساني واقعة إنسانية وسط العالم الإنساني والعالم الطبيعي، الدين الشخصاني دين بلا «إله» ودون فعل ديني بالمعنى الدقيق، هو البنية الذاتية للواقعية الإنسانية كوجود من أجل الآخرين، وكوجود في العالم. وتبدو الواقعية الشخصانية في النهاية تبريرا جديدا للاهوت العقائدي، صحيح أن التحول والنقل للاهوت العقائدي بعد «رد» الحوادث التاريخية كعلوم وقائع، من أجل إدراكها كماهيات للتجارب الإنسانية، وبالتالي كحقائق إنسانية، أمور ممكنة، ولكن لماذا لا يتم التوجه مباشرة إلى الحقائق الإنسانية دون المرور بهذا التحول؟ واللاهوت العقائدي نفسه ليس إلا تجارب إنسانية تكلست من خلال تاريخ العقائد الطويل. (7) الغاية الوعظية في نقد المنهج الظاهرياتي
54
ويظهر الغرض الوعظي بجلاء في نقد منهج الفهم؛ أي الوصف الظاهرياتي.
أولا:
إن ضرورة إعادة إقامة المبادئ الميتافيزيقية للإثبات الألوهي مناقض للمنهج الظاهرياتي؛ فالظاهريات خالية من أي مبدأ ميتافيزيقي خارج عنها، هي فلسفة كعلم محكم دونما حاجة إلى أي «ترقيع» ميتافيزيقي، وعلى العكس، الميتافيزيقا ممكنة بعد الظاهريات حتى تتأسس على التجربة، كما أن الظاهريات لا تنشغل بإثبات أو نفي ألوهي؛ هي منهج مستقل يتعامل معه وعي محايد ابتداء من بداية جذرية، ولا يفترض أي نتيجة مسبقة، ولكنه بحث يتلمس الموضوع الذي ينكشف تدريجيا خطوة خطوة. قد تكون الظاهريات في قصدها غير المعلن أو في مرحلتها الأخيرة حدسا دينيا عميقا، ولكن هذا لا يعطي أي حق في إلحاق أي إثبات ألوهي بها أيا كان،
55
وقد يكون الإثبات الإلهي مطلبا لتقريظ ممكن لإثبات وجود «الله».
ثانيا:
إن ضرورة ربط مشاكل النشوء بمشاكل البنية قدمتها الظاهريات النشوئية من قبل في مقابل الظاهريات النظرية، والظاهريات الحركية في مقابل الظاهريات السكونية، تعطي الظاهريات من قبل نماذج للدراسة النشوئية في المنطق وفي الحضارة.
56
مشاكل النشوء إذن ليست غريبة على الظاهريات؛ لأن الغاية مرتبطة دائما ب «اللوجوس»، ولا تقع الظاهريات في العلوم التفسيرية، وفي ظاهريات الدين للظاهريات النشوئية دورها الرئيسي في البحث عن النواة الأولى للمعطى الديني مع التخلص من شوائبها التاريخية المعلقة عليها أو المتسربة إليها، كما تحقق ذلك ببراعة في عملية ظهور المقدس في العقلية الإسقاطية.
57
ربما كانت الغاية من مشاكل النشوء المقترحة إثبات العقائد القائمة باعتبارها نتائج نشوء العقائد الأولى وتكوينها عبر التاريخ.