38
وتنتمي فلسفة الدين التي تبحث عن الشروط القبلية للدين الوضعي إلى منهج التوقع؛ لأنها تبدأ من قبل بافتراضات قطعية مثل الخارق للعادة،
39
ومع ذلك لا تقوم على خداع صوري، بل على العكس، هي بحث عياني في شروط العمل، وليست على نفس مستوى الدين المتحول إلى أخلاق عملية ومنقول إلى مبدأ الإرادة الخيرة؛ لأنها لا تكون مذهبا فلسفيا ولا تتويجا لهن يمكن اعتبار فلسفة العمل فلسفة بمعنى المذهب، ولكنها ليست من نفس نوع المذاهب الفلسفية في بدايات العصور الحديثة. والواقع، لا يوجد أي بحث في الشروط القبلية للدين الوضعي؛ لأن كل شيء تم افتراضه من قبل، هي فلسفة من النوع الأول، وترجع إلى الفلسفة المدرسية التي تبرر الدين بالفلسفة، هذا صحيح؛ فقد تم تحليل نفس الفلسفة في منهج المجابهة القائم على الافتراض الثنائي، وهو المنهج الذي نتجت عنه فلسفة الدين من النوع الأول، وهو التبرير.
والتمييز بين أنواع عديدة من فلسفة الدين ضروري؛ إذ يرجع الخلط الحالي في فلسفة الدين إلى نقص هذا التمييز. أولا: كانت فلسفة الدين في العصور الحديثة دائما اكتمالا للمذاهب الفلسفية؛ فقد تم تتويج كل مذهب بالدين.
40
فلسفة الدين في المذاهب الفلسفية الكبرى مرتبطة أشد الارتباط بالمذهب نفسه. ثانيا: استخدمت فلسفة الدين حيث كانت الفلسفة في العصر المدرسي دائما هي الفلسفة القديمة كوعاء للدين، كان الهدف فقط إرساء العقيدة على الجانب الأكثر ملائمة، هي مجرد قشرة دون أن تكون فلسفة بالمعنى الدقيق.
41
ثالثا: فلسفة الدين عند الباحثين،
42
ويغيب عنها كل تحديد مسبق للعلاقة بين الفلسفة والدين، ويترك كل تحليل في حالة من التردد الكامل. أحيانا يميل التحليل نحو الفلسفة، وأحيانا أخرى نحو الدين؛ فمثلا ليست مشكلة الفلسفة والدين هي نفسها مشكلة إصلاح فلسفة الدين عن طريق الظاهريات، وليست أيضا مشكلة إصلاح الفلسفة عن طريق الفلسفة. فلسفة الدين فهم للدين بعيدا عن كل خلط، وكل عقيدة، وكل تاريخ. هي فهم شامل وإنساني للدين؛ لذلك فلسفة الدين بالأصالة هي التي توجد في العصور الحديثة،
43
في حين أن إصلاح فلسفة الدين هو تصحيح لكل لاهوت جديد تتم صياغته باسم فلسفة الدين،
44
ونقد الفلسفة بالفلسفة هو استمرار في تحول بعض المفاهيم الدينية في صورة عقلية خالصة. مثلا تحولت مشكلة الإيمان والعقل، وهي مشكلة دينية، مرتين؛ مرة في صورة فلسفية وهي مشكلة الحدس والعقل، ومرة أخرى في صورة علمية وهي مشكلة القبلي والبعدي، أو مشكلة الفرض والتحقق، أو الافتراض والتجربة، وظلت المشكلة كما هي عليه، وهي ضرورة وجود مصدرين للمعرفة الإنسانية؛ واحد معطى من قبل، والآخر مكتسب بالنشاط الإنساني ذاته. كما تحولت مشكلة الروحي والزمنى أيضا مرتين؛ مرة في صورة فلسفية وهي المثال والواقع، ومرة أخرى في صورة علمية وهي القانون والواقعة. ويتعلق الأمر هنا بوحدة الفكر والواقع معروضة على ثلاثة مستويات مختلفة بلغتين مختلفتين أيضا، كما تحول الموضوعان الدينيان؛ التجسد والفداء مرتين؛ مرة كمشكلة فلسفية، مشكلة الذهاب والإياب أو النزول والصعود، ومرة ثانية كمشكلة علمية، مشكلة الاستنباط والاستقراء، وهي نفس المشكلة معروضة على مستويين، ومعبرا عنها بلغتين مختلفتين. كما تحولت أيضا المشكلتان الدينيتان، الخلق والبعث، مرتين؛ الأولى فلسفية وهي مشكلة البداية والنهاية، أو الخلق الفني وتحقيق مشروع ما، والثانية علمية وهي مشكلة العلية والغائية، وهي نفس المشكلة معروضة على مستويين، ويعبر عنها بلغتين مختلفتين.
صحيح أن فلسفة الدين متجذرة في حضارة، وكان يمكن هذا أن يدفع إلى فكرة مسبقة، وهو تحديد الصلة أولا بين الفلسفة والدين قبل إجراء أي بحث في فلسفة الدين. وصحيح أيضا أن فلسفة الدين داخلة في الحضارة، ولكن كيف؟ فلسفة الدين ليست في الواقع إلا جزءا من نشاط أوسع، هي مجرد بداية له؛ فهناك العمل العقائدي؛ عمل فلسفة الدين الذي سبقه العمل المنهجي، وهناك العمل العارض لفلسفة العمل، والتي يرتبط بها العمل كله؛ فالمؤلف تلميذ لمؤسسها، وهناك العمل السجالي ضد اللاهوتيين أو الفلاسفة المعاصرين، وهناك العمل الفلسفي نسبيا حول المشاكل الأخلاقية والاجتماعية أو حول حوارات المعاصرين.