31
وقبل صياغة فلسفة الدين فإنه من الضروري أولا تحديد العلاقة بين الفلسفة والدين في الفكر والتاريخ، وفي فلسفة الدين وحتى الآن لم تحدد العلاقة بينهما بوضوح؛ فإذا ما تحددت هذه العلاقة مرة واحدة وإلى الأبد، يتضح عديد من المسائل الأخرى، مثل العلاقة بين الجمال والأخلاق وكل العلوم الإنسانية والدين، كما تتضح أيضا نشأة العلم.
تخضع فلسفة الدين إلى الجدل بين الدين والفلسفة؛ فالفلسفة ليست إلا نقل الدين إلى المستوى العقلي الخالص ثم استعادة الدين من أجل إنارته إنارة عقلية كاملة، والظاهريات نفسها نموذج لذلك؛ فهي حدس ديني عميق في بدايتها بالرغم من المظاهر المعارضة بالنسبة لمصادرها الرياضية المنطقية، ثم تستعيد الظاهرة الدينية في النهاية كما تشهد على ذلك المخطوطات،
32
وتصبح فلسفة الدين مجرد تجاور بين الفلسفة والدين إن لم تتحدد العلاقة بينهما أولا، وتبين بوضوح المقولات والمخططات، وهي موضوعات فلسفة الدين، هذا التجاور، المقولات هي التصورات العامة، والمخططات هي التصورات الفلسفية، لو تم تحديد العلاقة مسبقا بين الفلسفة والدين في فلسفة الدين لتم اكتشاف إشكال واحد يعبر عنه بلغتين مختلفتين. المطلق والمفارقة شيء واحد، والذات والنفس أيضا شيء واحد، والفضل والخارق للعادة متشابهان ... إلخ، وكل لغة لها مستواها، المقولة على المستوى الإلهي في حين أن المخطط على المستوى الإنساني، ونظرا لأن العلاقة بين الدين والفلسفة لم يتم تحديدها من قبل أولا، تجاورت المقولات والمخططات دون رؤية اختلاف اللغتين للتعبير عن شيء واحد على مستويين مختلفين، ولو تم التعرف في فلسفة الدين على المعطى الديني في «الجهاز الحضاري» لأمكن إدراك العلاقة بين فلسفة الدين والعلم،
33
ولو تم تحديد مسبق للعلاقة بين الفلسفة والدين لسمح ذلك باكتشاف وحدة إشكالهما، واختلاف لغتهما ومستوييهما، ولأمكن إدماج العلم، وتحديد العلاقة مرة واحدة وإلى الأبد بين الدين والفلسفة والعلم؛ مما يسمح في نهاية المطاف برؤية بنية الحضارة الأوروبية وتطورها كلها، والواقع أنه نتج عن غياب هذا التمييز بين الأنواع الثلاثة لفلسفة الدين، كتبرير ونقل وبحث وضع الأنواع الثلاثة على نفس المستوى، وكما حدث ذلك في منهج الذوق القائم على الخداع الصوري، واعتبار الإيمان كمعطى قبلي ليس خداعا صوريا على الإطلاق، كان من الطبيعي تحول الدين إلى أخلاق عملية للإرادة الخيرة، ثم نقلها كلية إلى مبدأ الخير في عصر كانت الرياضيات نموذج اليقين والأحكام فيه، وكان الدين كأخلاق عملية قد تمت دراسته من قبل، وعن حق في لعبة النقل في منهج المجابهة القائم على الافتراض الثنائي، ولا يمكن دراسته وتصنيفه من جديد مرة ثانية في منهج التوقع القائم على الخداع الصوري. «الدين في حدود العقل وحده» فلسفة دين من النوع الثاني؛ أي التحول ونقل الدين إلى فلسفة، وكانت هذه سمة المذاهب الفلسفية الكبرى المتوجة بالأخلاق، وهو الدين المنقول، وبفلسفة في الدين. وليس التحليل الترنسندنتالي للمقدس،
34
ولا الشروط القبلية للدين الوضعي،
35
ألعاب نقل؛ فليس للأول أو للثاني مذهب فلسفي متوج بفلسفة في الدين.
36
ومن ناحية أخرى، فلسفة الدين المسماة «التحليل الترنسندنتالي للمقدس » هي في الواقع منهج التوقع دون أن تكون قائمة على الخداع الصوري على الإطلاق،
37
هي في الواقع فلسفة توسط، والوحي توسط رفيع، بعد توسط المعرفة وتوسط الفعل، وتوسط الشخص، وتوسط الكنيسة. هي من نفس نوع فلسفة الدين نتيجة منهج التحليل النظري النقدي، والفلسفتان تفكيران جديدان في الدين كوعظ رفيع، ولكنهما ليسا على نفس مستوى فلسفة الدين نتيجة لعبة النقل، ونتيجة الفلسفة النقدية. فضلا عن أن فلسفة التوسط ليست مذهبا ولا تتويجا لمذهب فلسفي كما هو الحال في الفلسفة النقدية، و«الدين في حدود العقل وحده» هي فلسفة دين من النوع الثالث، البحث، ولكن تلحق بفلسفة الدين من النوع الأول، وهو التبرير، ولكن هذه المرة تبرير ضمني ومستتر.