تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

23

الأول من الذات إلى الموضوع، والثاني من الموضوع إلى الذات، وكلاهما بعدان للشعور القصدي، ويقوم العقل بدور التحليل النظري القائم على خبرات الحياة اليومية، ويكون الإيمان والعقل والواقع هذه الميادين الثلاثة التي ترتبط بها البنية القبلية لمعطى الوحي، وهي الوحي والعقل والواقع؛ ومن ثم فإن إعادة بناء العقل بالإيمان ليس إلا تبريرا للإيمان بالعقل، وهو ما كان سائدا في العصر المدرسي، يضع منهج المجابهة خطا فاصلا بين الدين والفلسفة، بين الإيمان والعقل، ويعتبر اللاهوت علما مقدسا بحيث يصبح هو الدين ذاته، يحكم اللاهوت على كل شيء، طبقا لمعطيات الوحي من المنظور الصوري للإيمان، في حين تحكم الفلسفة على الأشياء في ذاتها من المنظور الصوري للعقل،

24

هذه الطريقة في المجابهة هي على وجه الدقة ثنائية مقصودة لتبرير الدين، وتخصيص موضوع ومنهج له مختلفين عن موضوع الفلسفة ومنهجها، وتنتمي نظريات المجابهة إلى فلسفة الدين من النوع الأول؛ أي تبرير الدين بالفلسفة.

ولعبة النقل التبريري واكتشاف المضامين العقلية للإيمان هي تحول بعض جوانب الدين إلى الفلسفة، ثم نقل هذا الجانب ومده إلى مجموع الإشكالات الدينية. أليس الكوجيتو، أي الوعي بالذات كواقعة أولى بديهية، تحولا للموعظة على الجبل؟ أو عبارة «ما قيمة أن يكسب الإنسان العالم ويخسر نفسه؟» هذا هو تحول أحد جوانب الدين، وهو الجانب الداخلي، إلى الفلسفة، ثم يصبح الكوجيتو بعد ذلك طريقا إلى المفارقة الإلهية قبل أن يكون طريقا إلى خلق العالم؛ ومن ثم نقل الدين كله ابتداء من هذا التحول الأول لجزء منه، ثم أصبح علما فلسفيا عقليا شاملا وإنسانيا.

25

وفي الفلسفة النقدية، القبلي والبعدي تحول لأحد جوانب المعطى الديني، الإيمان والعقل وفهمها على نحو عقلي، الإيمان هو ما يعطي من قبل، والعقل ما يعطي من بعد. وابتداء من هذا التحول نقل الدين كله باعتباره أخلاقا عملية بالنسبة لفلسفة المعرفة النظرية.

26

وبعد تحول الإيمان إلى قانون أخلاقي نقل الدين كله كحضور مبدأي الخير والشر في الإنسان، والصراع بينهما، وانتصار الخير على الشر وسيطرته عليه.

27

وفي المثالية المطلقة، الجدل تحول عقيدة تاريخية، وهي عقيدة التثليث، ثم نقل الدين كله عن طريق هذا الجدل الثلاثي كمعرفة مطلقة. وتم نفي الدين الطبيعي ثم إثباته كدين مطلق أو كدين يتجلى، وقد تحقق هذا في ملكوت الأب ثم الابن ثم الروح القدس.

28

وأخيرا، فلسفة الحدس أيضا هي تحول لمشكلة الإيمان والعقل إلى ثنائية الحدس والعقل،

29

وإذا كان الوحي يتجاوز العقل في العصر المدرسي، فتلك مهمة الحدس في فلسفة الدافع الحيوي. وإذا كانت الفلسفة النقدية قد حولت من قبل نفس السؤال في صورة عقلية، فإن فلسفة الخلق تنقل نفس السؤال في الواقع. وإذا كان المثل الأعلى في الفلسفة النقدية الرياضيات أو الفيزيقا، فإن فلسفة الطاقة الروحية كان لها جذورها في العلوم الطبيعية خاصة علوم الحياة.

وكان الاتجاه المزدوج في فلسفة العمل، بالرغم من مظهرها المستقل عن الفلسفة المدرسية أو فلسفة الدين، مجرد تبرير للدين بالفلسفة.

30

فالواقع أن وجود فلسفة مستقلة ابتداء من المسيحية أمر ممكن ابتداء من نقد الموضوع الديني؛ ومن ثم يتعامل النقد الفلسفي على أرضية المعطى الديني، وقد اختير منهج الحلول من أجل البحث عن تحديد سلسلة شروط تحقق العمل على مستوى مثالي، والواقع لم يكن الحلول إلا خطوة إلى الوراء لإثبات المفارقة المفترضة مسبقا، لم يكن العمل إلا «تجويفا» في الوعي يظهر فيه الله، ولم تكن الحرية إلا الفضل وهو يعمل. وباختصار كان الطبيعي أول تجل لما يفوق الطبيعة؛ ومن ثم لا تتعدى فلسفة العمل نوعا من التقريظ الرفيع للدين المسيحي. صحيح أنه لا يسمح بمجابهة بسيطة بين الدين والفلسفة، بين الإيمان والعقل، ولكنه يبحث عن الموضوع الديني ذاته بمساعدة التحليل المباطن للعمل. وتأخذ فلسفة الدين من النوع الأول كتبرير للدين بالفلسفة بنقلها إلى فلسفة للدين من النوع الثالث؛ أي فلسفة الدين كبحث. وهكذا استمد منهج التفكير والنقد الذي انتهى إلى فلسفة دين من النوع الثالث؛ أي كبحث من فلسفة العمل. (5) ضرورة تحديد مسبق للعلاقة بين الفلسفة والدين

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدين · الصفحة ١٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدينص ١٦٢