تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أولا:

بعد تحول الفلسفة إلى ظاهريات، وبعد تأسيس الظاهريات كمنهج، أحيلت الأخلاق إلى المنطق دون أن تكون ميدان تطبيق، مثل المنطق، للمنهج الظاهرياتي الذي تم تكوينه من قبل. وبتعبير آخر، امتد المنطق على الأخلاق دون دراسة المشكلة الخلقية في حد ذاتها. وقد رفضت النزعة النفسية في المنطق وفي الأخلاق على حد سواء، كما تم رد الطبيعة المادية في المنطق وفي الأخلاق معا، وتم تفنيد النزعة الصورية في العلمين معا. وباختصار كتبت «بحوث منطقية» مرة ثانية في الأخلاق دون معرفة عما إذا كانت الموازاة المنطقية الأخلاقية ممكنة.

62

ثانيا:

توجد الموازاة الأخلاقية المنطقية أيضا في البحث عن أخلاق خالصة كعلم قبلي. وإذا كان المنطق تقنية المعرفة، فإن الأخلاق تقنية السلوك. توجد العمومية والشمول والموضوعية في الأخلاق، ونموذجها عمومية الرياضيات وشمولها. وبالرغم من رفض كل موازاة بين الأخلاق والرياضة، وبين الأخلاق والطبيعة، وبين الأخلاق واللاهوت، إلا أن هذه الموازاة قد قبلت في النهاية بين الأخلاق والمنطق. فإذا رفضت العقلانية والصورية من الأخلاق، فكيف تصبح الموازاة الأخلاقية المنطقية ممكنة دون الرجوع إلى العقلانية والصورية المستبعدتين؟ وطبقا لهذه الموازاة منطق العواطف له نموذجه في منطق الأحكام. وأخيرا، الأخلاق الخالصة علم معياري يتخذ المنطق معيارا.

63

ثالثا:

يطبق المخطط المنطقي إذن في الأخلاق. وكما ينقسم المنطق إلى منطق نظري، وهو علم معياري، ومنطق عملي، وهو تقنية المعرفة، كذلك تنقسم الأخلاق إلى مبحث القيم النظري والعمل الخالص. وكما ينقسم المنطق إلى منطق صوري ومنطق مادي، كذلك ينقسم مبحث القيم الصوري إلى مبحث القيم الصوري ومبحث القيم المادي. وكما ينقسم المنطق العملي ينقسم إلى صوري ومادي، كذلك ينقسم العمل الخالص إلى عمل صوري وعمل مادي. وهكذا تطبق مبادئ الهوية وعدم التناقض والثالث المرفوع في القيم، وأخذت هذه القضايا من المنطق الصوري كنماذج لقضايا مبحث القيم الصوري. وهكذا أصبح مبحث القيم مبحث المصادرات! وأخذت القضايا الشرطية المتصلة والمنفصلة كنمط علاقات قبلي للقيم؛ كبير وصغير، كثير وقليل، كل وجزء. ويتبع أيضا اختيار القيم قوانين كمية على التفضيل.

64

وتم أيضا تحليل العمل الصوري طبقا لقياس مسبق بين حقيقة الإرادة وحقيقة الأحكام.

65

قد يكون في هذا المخطط المقترح تطبيق للمنهج الظاهرياتي من أجل الكشف عن القصدية في الأخلاق؛ فمبحث القيم هو صورة الشعور، والعمل هو مضمونه. وفي مبحث القيم، مبحث القيم الصوري هو صورة الشعور، ومبحث القيم المادي هو مضمون الشعور. وفي العمل، العمل الصوري هو صورة الشعور، والعمل المادي مضمون الشعور. والحقيقة أن هذه القسمة إلى صوري ومادي مستمدة من المنطق كنموذج للأخلاق. وهكذا فإن الموازاة الأخلاقية المنطقية، وليست القصدية الأخلاقية، هي أساس هذا المخطط المقترح للأخلاق.

وكل مصادرات للأخلاق هو «رد» لمستوى إلى مستوى آخر بالرغم من أن المستويين متمايزان. بين العقل والواقع هناك اختلاف في النوع. وكل قسمة عقلية، مهما كانت جامعة مانعة، لا تغطي كل جوانب الواقع. الواقع أكثر اتساعا من كل قسمة عقلية. تقدم كل قسمة عقلية حلولا آلية تماما، في حين أن الواقع له طبيعة حركية تهرب من كل اختيار آلي. تضم القسمة العقلية إمكانيات محدودة للحلول، في حين أن الواقع يقدم دائما حلولا جديدة.

الأخلاق علم إنساني، ينتمي إلى منطق الظاهرة الإنسانية، لها مستواها الخاص، ولا يمكن ردها إلى الرياضيات أو إلى المنطق. يأخذ منطق الظاهرة الإنسانية في الاعتبار: الانقطاع، عدم القدرة على التنبؤ، وعدم الرد، وأحيانا عدم القدرة على الفهم للظاهرة الإنسانية، ويقتضي الانتقال من مستوى إلى آخر قفزة؛ إذ يهرب مسار تطور الظاهرة من حتمية قانون ما حتى ولو كان ساكنا أو محتملا، طبيعة مضمونه مخالفة لطبيعة التصورات. الظاهرة الإنسانية تجلت للوجود الذي يهرب من المعرفة؛ فالحياة أحيانا غير الفهم.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدين · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدينص ١٥