90
ولا تحتاج ظاهريات الدين إلى مؤسسات لأن الظاهريات الترنسندنتالية نفسها تقوم على نظرية في الحدس، ولا ينقصها المعنى الروحي للدين؛ لأنها أساسا حدس ديني عميق كما ظهر ذلك في تأويل الظاهريات، وبالرغم من مراحلها الرياضية والمنطقية والفلسفية والحضارية، ولا تصنف الظاهريات مع النظريات المسماة تجريبية؛ لأنها بالرغم من أنها تبدأ بالتجربة فإنها تريد إدراك ماهيتها كموضوع مثالي مستقل.
91
وقد صنفت المثالية الظاهراتية في ملحق نشوء الدين في الفلسفات المعاصرة تحت عنوان الشرح النظري.
92
والمثالية الظاهراتية ليست شرحا نظريا بل هي فهم للتجربة، كما يتطلب الشرح في العلوم الإنسانية منهجا نشوئيا ينتمي إلى علوم الطبيعة، في حين يقتضي الفهم منهجا نظريا، ونموذجه المنهج الظاهرياتي. ينتمي إلى علوم الروح؛ أي العلوم الإنسانية، كما تم تصنيف المثالية الظاهراتية مع الحتمية الوضعية كتأمل شارح! وهكذا تصنف الظاهريات تحت نظرية تعارضها الظاهريات! وتعتبر كفرع نظرية تتكون من نظريات خمس أخرى، في حين أن الظاهريات هي العلم الأساسي لكل النظريات الفلسفية؛ لأنها نظرية النظرية.
| ثانيا: فلسفة التصور1
فلسفة الدين القائمة على التصور أحدث وأكثر كثافة من فلسفة الدين القائمة على التوسط، وتتسم أيضا بعدم الاتساق في تصنيف المناهج، ونقص تحديد مسبق للفلسفة والدين، والهدف الوعظي الواضح حتى في نقد المنهج الظاهرياتي.
2 (1) الخلط بين المنهج والنظرية والاتجاه
3
والمناهج المحصاة؛ منهج التفسير، منهج المجابهة، ومنهج التوقع، ومنهج الفهم، ومنهج الفصل، ليست مناهج بحث، بل نظريات فلسفية تم تطبيقها في الدين؛ فمنهج التفسير نظرية فلسفية قائمة على حكم مسبق طبيعي يظهر في التفسير البيولوجي والنفسي والاجتماعي والاقتصادي للدين، وكل النظريات اتجاهات علية.
4
أما النظريات الفلسفية للحلول والواحدية فليست على الإطلاق تفسيرات للدين، بل فهم لدلالته مع مدها إلى الحد الأقصى.
5
التفسير اتجاه مادي في حين أن الفهم تيار مثالي، وإن لم يكن المنهج نظرية فإنه لا يكون أيضا اتجاها، أصبح المنهج وعيا بمجموعة من الخطوات يمكن أن تؤدي إلى الحقيقة، في حين أن النظرية تدعي أنها الحقيقة ذاتها. الاتجاه ليس إلا توجها بسيطا في نظرية مكتملة؛ فكل المناهج المحصاة في فلسفة الدين نظريات أو اتجاهات من العلوم الإنسانية كما تمت صياغتها في كل عصر، وللمنهج قواعد للتطبيق، أما النظرية أو الاتجاه فلا.
6 (2) عدم الاتساق في تصنيف المناهج
7
وبسبب غياب تحديد مسبق للفلسفة والدين في الحضارة الأوروبية لم يتم الكشف عن هذه الأنواع الثلاثة؛ ومن ثم فإن تصنيف المناهج إلى منهج تفسير، ومنهج مجابهة، ومنهج توقع، ومنهج فهم أو منهج فصل ليس متسقا، ومنهج التفسير منهج نشوئي مستعار من العلوم الإنسانية، ومنهج الفهم هو المنهج المقابل ومستعار أيضا من العلوم الإنسانية، والتفسير والفهم منهجان متعارضان، والثاني رد فعل على الأول. ومنهج المجابهة ليس منهجا بل هو مشكلة العلاقة بين الدين والفلسفة، بين الإيمان والعقل كما يتم تصورها في فلسفة الدين من النوع الأول؛ أي فلسفة الدين كتبرير متبادل بينهما، تبرير الفلسفة للدين وتبرير الدين للفلسفة.
8
ومنهج التوقع أو الاستباق هو في الواقع تحول المعطى الديني في مطلع العصور الحديثة إلى قبلي، وهي صورة واحدة لهذا التحول لجانب واحد في الدين للنوع الثاني، وهو فلسفة الدين كتحول ثم كنقل، وأخيرا منهج الفصل هو منهج للبحث ينتمي إلى فلسفة الدين من النوع الثالث، وهو فلسفة الدين كبحث.
وهكذا قسمت فلسفة الدين الواحدة إلى عدة مناهج دون وجود وحدة القصد.
9
ومن السهل التمييز بين الأنواع الثلاثة لفلسفة الدين: التبرير، والنقل، والبحث. فلسفة الدين كتبرير هي الأنساق اللاهوتية الكبرى، الفلسفة فيها ليست إلا أداة للعمل، ومفاهيم للعرض، ولغة للتعبير. وليست على الإطلاق علما مستقلا قائما بذاته، وكل دراسة فلسفية على مثل هذه الفلسفة للدين لا تأخذ إلا المظهر والغطاء الخارجي،