72
وتمثل البرجماتية خطوة كبيرة فيما يتعلق بالفلسفة على وجه العموم، خاصة فلسفة الدين، وبوجه أخص تصور الله. وتعطي ميتافيزيقا التعددية الأولوية للموضوع وللعالم في تمامه دون خنقه بالمعيار. الحقيقة أثرها. وتعبر الحرية عن نفسها في ركوب المخاطر والسعي نحو الأفضل. الفعل الخلقي هو الذي يغير العالم، أما فيما يتعلق بتصور الله، فالله حال في التجربة، هو افتراض عملي، يمكن استخدامه ليس كشخص بل ككلمة، الله وظيفة في العالم الذي تحركه رسالة الشخص، وتحقيق رسالته في مصيره الخاص.
73
من الصعب نقد البرجماتية؛ لأنها تعتمد على التجربة، التجربة الأولى للحقيقة، والانتقادات التي وجهت إليها مثل وحدة التماثل بين الموجودات تخاطر بفقد المكسب الذي حصلت عليه لصالح العودة إلى الدوجماطيقية المجدبة. وضرورة مقياس مطلق وعقلي للحقيقة يوجد من قبل في المعيار الذي وضعه الوحي دون البحث عنه في اللاهوت العقائدي. الأخلاق الطبيعية هي الأساس الواقعي لأخلاق الوحي دون معارضيها، ويوجد اليقين الديني بين المعنى المفهوم من النص طبقا لمبادئ اللغة ودلالة الخبرة اليومية وتحليلها العقلي، دون أن توجد فقط في الاعتقاد والعقائد، والخبرة في البرجماتية هي أساس اليقين الديني نفسه، ولا يستبعد العمل النزيه العمل بالفاعلية وتحقيق غاية مثالية، ويتجاوز وجود الله اللانهائي خارج التجربة المستوى الإنساني. الكمال مثال إنساني، والمفارقة الوحيدة الممكنة هي مفارقة تجربة الكمال، ويدل عمل الأفضل وعدم الاكتفاء بالواقع على المفارقة الحالة في التجربة الإنسانية. وأخيرا، مشكلة الشر مشكلة زائفة؛ فليس للشر وجود جذري، بل يشير فقط إلى مستويات الوجود.
74
والعمل متمركز حول الله بمعنى أنه تحقيق الوحي، كلام الله، كمشروع في العالم. الله مشروع يتحقق تدريجيا، مشروع العمل والحياة، والشخص والقيمة والعالم والحقيقة. الإنسان إذن قيمة في ذاته، وشدة المعيار رد فعل طبيعي ضد مضمونه الزائف مثل: المنفعة والهوس ... إلخ. الله إذن ليس وحيه، الوحي هو المقاصد الشاملة التي تكون الحياة الإنسانية ويحققها العمل الإنساني.
75
ويعود نقد أخلاق المعيار بعدم الاتساق والضعف إلى نقص في تأويل هذه المقاصد الثاقبة. وللإيمان طابعه اليقيني باستقراء وحدات معاني النص الموحى به ومطابقتها مع دلالات الخبرات في الحياة اليومية، والشعائر الوحيدة الممكنة هي شعائر الوعي، شعائر القصد والعمل.
76
وتوسط الكنيسة زائد سطحي ولا محل له؛
77
فلفظ «كنيسة» ليس لفظا فلسفيا، وليس في متناول الجميع، كما أنه يشير إلى مؤسسة تاريخية خاصة وليس إلى معطى الوحي، وهو أساسا نص. صحيح يمكن فهم الكنيسة كتوسط، ولكن التوسط يوجد من قبل في الشخص الذي يشير بدوره إلى الوعي الديني في الوحي كوعي تاريخي، وإلى المعرفة في الوعي النظري، وإلى الفعل في الوعي العملي. يمكن فهم الكنيسة كتجربة مشتركة، معرفية وواقعية؛ فللآخر دور في المعرفة والوجود. الشخصانية الاجتماعية حقيقة إنسانية، يمكن من خلالها فهم هذه التجربة المشتركة، الكنيسة كمؤسسة ليست توسطا لا في الوعي التاريخي في بحث الصحة التاريخية للنص ، ولا في الوعي النظري لفهم معنى النص، ولا في الوعي العملي لتحقيق معنى النص كنظام مثالي للعالم. النقد التاريخي وحده يستطيع تحديد الصحة التاريخية للنص، والمبادئ اللغوية وحدها والتحليل النظري للتجارب اليومية تستطيع فهم معنى النص، والعمل وحده يستطيع تحقيق الكلام الإلهي على الأرض. ليست الكنيسة مشكلة، الكنيسة المرئية موضوع لعلم الآثار ولتاريخ الفن وللتاريخ الاقتصادي والسياسي للبلد الذي يوجد فيه، والثقافة المنتشرة فيها، والكنيسة اللامرئية هي الوعي الفردي والجماعي الذي يشعر بها كل فرد دونما حاجة إلى «تخارج» في مؤسسة ما.