61
الله، والمطلق في الفكر، والمطلق في الوجود، موضوعات متسقة للعقل، وهو اعتراف واضح بوعظ اللاهوت العقائدي.
62
ومن ثم كان للفكر الميتافيزيقي في الفلسفة النقدية حدوده في التجربة، ولم يكن بحاجة إلى الوصول إلى المثالية المطلقة لمعرفة هذه الحدود، والمثالية المطلقة بالرغم من أي عرض فلسفي لها هو تحول ونقل جديد للدين؛
63
فالواقع أن عقيدة التثليث تحولت إلى جدل، ثم نقل الدين كله إلى مستوى المعرفة الإنسانية التي تم اكتشافها، وتشهد كتابات الشباب لواضع المذهب النقد الأساسي الموجه إلى مذهب «الحلول»، ويمهد لقدوم اللاهوت العقائدي وتصوره للمفارقة الخارجية، وإن وضع الطبيعة إلى هذا الحد الرفيع ليس وضعا للمفارقة في مواجهة ذاتها، بل إظهار الحلول الترنسندنتالي للطبيعة المفتوحة ، ووصفت المثالية بأنها خداع؛ لأنها لا تتبنى تصور الله في اللاهوت العقائدي.
64
ولقد أخذت الحتمية المثالية أو المادية بعد المثالية النقدية أو المثالية المطلقة كصورة ثانية لتوسط المعرفة؛ فالحتمية المثالية عرض للدين على المستوى الإنساني من وجهة نظر «الله»، إذا رأى الله كل شيء فإنه يرى الأفعال الإنسانية.
65
وإذا كان الله كل شيء، فالوجود كله فيه. ومع ذلك، وبسبب أخذ وجهة النظر الإنسانية، ظهرت الحرية الفلسفية والسياسية، كان الخلط بين الاتجاهين شائعا؛ إذ تنفي فلسفة الحرية الإنسانية للفكر والعمل إذا ما أخذت وجهة النظر الإلهية، وإذا أخذت وجهة النظر الإنسانية تنفي وجهة النظر الإلهية. إذا أعطت الحتمية أولوية مطلقة للفكر، والنسبية للإرادة والعمل والإحساس بالقيمة بأفكار حرية الاختيار، فإن هذا طبيعي من وجهة النظر الإلهية.
66
ويمكن التحقق في الخبرة اليومية للوجود من نقد الحتمية المثالية بالتمييز بين الفكر والفعل والشرط الداخلي للفكر بالفعل وليس العكس.
67
وفي تجربة الفكرة-القوة، الفكر هو الفعل نفسه، ولا تقام فلسفة في الحرية بالبراهين، بل بالوعي الداخلي بالرسالة الذاتية في تحقيق المصير الشخصي. فلسفة في الحرية هي بالضرورة في العمل.
68
يسهل إذن نقد الحتمية المثالية. ويكفي في ذلك الطبيعة المفتوحة أو الروح، مثال ذلك الفكر الباطني الفعال، التمييز بين الرغبة والتمثل، والحب والتمثل.
69
وهنا يستعمل الحلول في الحب والفكر وفي علاقة الزمان بالمكان ضد النزعة الخارجية الإلهية في رؤية الله «الخارجي» في اللاهوت العقائدي.
ويمكن إثبات توسط الفعل في البعد الثالث للشعور الديني، الشعور العملي. ورسالته تحقيق معطى الوحي كنظام مثالي للعالم من خلال العمل.
70
في الحياة اليومية، يمكن إثبات الوظيفة التحررية للمعيار، ولكن أي معيار؟ ليس هو المعيار الذي يفرضه اللاهوت العقائدي والذي يريد تحديد حرية الشخص الإنساني وطبيعته، بل المعيار الذي يثبت حياته وشخصيته. لفلسفة الإرادة والقوة أسبابها ومبرراتها في صراعها مع «الآلهة» المزيفة، والنزعة المضادة للعقلانية، والشذوذ، واللادينية، وإرادة القوة، كل ذلك دفاع عن العقل الإنساني والقيمة الإنسانية والوحي والعمل ضد أوثان اللاهوت العقائد. ليست فلسفة إرادة القوة تحللا من كل شيء ، بل على العكس تضم قيما إنسانية، وترجع المغالاة في العرض إلى الانفعال بالكشف، لها قيمتها، ولها أهميتها. أما عدميتها فمجرد طابع خارجي، ينتمي إلى الحضارة الأوروبية، وليس إلى الفلسفة ذاتها.
71
ولا يتم نقد فلسفة إرادة القوة عن طريق العودة إلى الأوثان المحطمة، وليس تصوف العمل طريقا إلى الله، بل هو تحقيق الوحي كنظام مثالي للعالم، له اتجاهه نحو العالم. واعتماد العمل على معيار لا يحدد مدى اتساع الحرية أو قوة العمل، بل على العكس، المعيار هو طبيعة الشخص ذاته الذي فيه ينبثق العمل، والذي بفضله يتم الحفاظ على الشخص ضد احتمال صورية المعيار. ليست إرادة القوة للمسيحي على وجه الخصوص، بل للإنسان من حيث هو كذلك، ولا تقوم على الخطيئة؛ لأن الإنسان على البراءة الأصلية، بريء بطبيعته، مسئول عن أفعاله الإرادية في الوقت الذي يعي فيه ذاته، ولا يخلص العزاء أحدا؛ لأن كل إنسان قادر على خلاص نفسه بنفسه، كل إنساني محرر لنفسه. وانقلاب العالم نتيجة لتخلي الإنسان عن رسالته، وليست عقيدة ينتج عنها الاستحواذ على كل شيء في العالم، ليست البطولة خاصية مسيحية فقط بل إنسانية عامة، وليس الشهيد هو الذي يستسلم لقطع رأسه بلا دفاع، بل هو الذي يسقط في ميدان الوغى وساحة القتال.