تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صحيح أن للإنسان مصيرا دينيا، أو بتعبير أدق إن للدين مصيره الإنساني، الدين واقع إنساني بالقوة، يصبح بالفعل بحضوره في الشخص الإنساني، الدين إذن أساس بنية للشعور، يضع الشخص الإنساني كمحل لوجوده؛ ومن ثم فإن توسط الشخص ضروري لوجود الدين،

51

وتوسط الشخص الإنساني يتم التحقق منه في التجربة اليومية دون أن يكون استبدالا لفلسفة الوجود بفلسفة الجوهر كما حدث في تاريخ الفلسفة الأوروبية التي كانت تبحث عن الإثبات المباشر والبسيط للتجربة للتخلص من النظريات الفلسفية من الميراث المدرسي.

52

والشخص هو أيضا الشخص بالمعنى العادي للكلمة، دون المرور بنقد النظريات الثنائية والارتباطية في تاريخ الفلسفة الأوروبية.

53

ويتبع التعارض بين الأنا المثالي والأنا الوجودي تطور الوعي الأوروبي، من فلسفة الروح إلى فلسفة الطبيعة، أكثر منه تحليلا لبناء الشخص.

54

صحيح أنه يوجد مسار منقطع من المعرفة إلى الوجود، ولكن هذه القفزة ليست ضرورية لمجرد حضور الشخص كشرط ضروري للدين، وخلافا لذلك يعود التعارض مرة ثانية بين الكلمة الإنسانية والكلمة الإلهية في اللاهوت العقائدي.

55

الشخص الإنساني معروف تماما، أما الشخص الإلهي فإنه يتجاوز التجربة الإنسانية. الشخص الإنساني لا يقيم دينا حتى ولو كان كاملا، موضوعيا، حميميا، مباشرا، ولكنه أصل كل دين، ولا تستطيع التجربة أن تقول شيئا في الخلاص والتصوف. والشخص الإنساني إسقاط مثال الشخص الإنساني في صورة تشبيهية في العالم الخارجي.

ويمكن التحقق من توسط الوحي في البعد الأول من الوعي الديني، وهو الوعي التاريخي، ووظيفته البحث عن الصحة التاريخية لنص الوحي بواسطة النقد التاريخي.

56

ليست مشكلة الوحي مشكلة فلسفية، صلة الطبيعة بالفضل الإلهي، بل مشكلة تقنية؛ إذ تؤكد التجربة اليومية الطبيعية المفتوحة على غير المتوقع والمنقطع واللاإرادي، في حين أن النقد التاريخي هو القادر على حل مشكلة الصحة التاريخية لنص الوحي، مشكلة الوحي أيضا مستقلة تماما عن كل تأكيد ألوهي مهما كانت صورته. الوحي إثبات تاريخي بحضور المبلغين عن كلمات الوحي دون نسيان التحقق من وجود الوحي، بمعنى الإيهام، في التجربة الإنسانية خاصة في الإبداع الفني؛

57

ومن ثم تدور النظرة الخارجية فوق الطبيعة والنظرة الداخلية الإنسانية حول هذين الإثباتين الأولين؛ وحي المبلغ وإلهام الفنان؛ ويتم التحقق منهما معا في التجربة، ويعني توسط الوحي أن الوعي الديني مفتوح ببعده التاريخي لاستقبال كلمات المبلغ، ودور النقد التاريخي للبحث عن الصحة التاريخية للنص هو إلغاء هذه المسافة، قصيرة أم طويلة، بين لحظة التبليغ من المبلغ ولحظة الإسماع عند المستمع المعاصر أو التابعي حتى الوقت الحاضر، شفهيا أم تدوينا.

58

وتوسط المعرفة إثبات البعد الثاني للوعي الديني، وهو الوعي النظري ودوره في فهم معنى النص بواسطة التحليل اللغوي والتحليل النظري للتجارب اليومية.

59

المعرفة إذن ليست هي معرفة الأنساق الفلسفية الشامخة، النقد أو الجدل أو الحتمية، ولكن ما تسمح به المبادئ اللغوية لفهم معنى النص، وما يعطيه التحليل النظري للخبرات اليومية من أجل إثبات التماثل بين المعنى المفهوم من النص ودلالة الخبرة اليومية، والأنساق الفلسفية الشامخة هي تحولات إنسانية لبعض الجوانب الدينية في اللاهوت العقائدي منقولة على مستوى الوعي الإنساني. مشكلة القبلي والبعدي هي المشكلة القديمة؛ الإيمان والعقل، والدين والفلسفة، وعلاقة العقل العملي بالعقل النظري هي نفس العلاقة بين العمل والنظر في الدين. وهكذا تحول الدين إلى معطى قبلي ثم انتقل إلى الأخلاق؛ فالفلسفة النقدية عرض إنساني للدين.

60

ونقد الفلسفة النقدية عود إلى القطعية الخارجية في اللاهوت العقائدي، وتمهد لضرورة النقد الداخلي للحضور الإلهي، وضرورة التمييز الصوري والتنسيق الداخلي للحساسية والعقل لهما نفس الغاية، ورفع فلسفة الطبيعة إلى مستوى فلسفة الروح عود إلى الله في التصور المدرسي، ورفض لتصور الله في عصر النهضة.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدين · الصفحة ١٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدينص ١٥٥