تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وليست فلسفة الدين التي تقوم على التوسط أي ضرورة؛ لأنها رفض تعسفي لكل النظريات الفلسفية في الدين دون تقديم شيء آخر باستثناء فلسفة مقنعة تحت غطاء اللاهوت الدوجماطيقي، وليس لها منهج محدد، وما سمي منهجا ليس إلا خليطا من النظريات الفلسفية.

44

وإذا كانت شروط اليقين في اللاهوت العقائدي فلماذا تسمى إذن فلسفة الدين؟

45

ولا يقدم التمييز بين اللاهوت النقدي واللاهوت الوضعي أي جديد؛ فاللاهوت النقدي الذي يقدم على معطيات التاريخ ونتائج الفلسفة هو نفسه اللاهوت الوضعي، ويكون عقائد اللاهوت التاريخ إلا أن الأول هو تنشيط وإعادة إعمال وتبرير جديد الثاني، وهذا هو المعنى الذي يشير إليه لفظ «نقد»؛ إذ يعني إيجاد أفضل تبرير مع تجنب عيوب الماضي والاستفادة من الاكتشافات الفلسفية الحاضرة، فإذا كان اللاهوت النقدي هو اللاهوت العقائدي المستتر مع مظهر تأملي فإن اللاهوت الوضعي هو لاهوت عقائدي صريح.

46

ولا تدعي فلسفة الدين القائمة على التوسط أنها لاهوتية أو وعظية أو تاريخية بل ميتافيزيقا نقدية، والحقيقة أنها تبشير باللاهوت التاريخي،

47

وقد استبدل ما يسمى بلاهوت النقائض بلاهوت يسمى لاهوت التوسط دون معرفة أن لاهوت النقائض هو مجرد رد فعل خالص على المظاهر المختلفة للاهوت التوسط، الفلسفة الأولى مكسب إنساني خالص ضد فلسفة التوسط التي هي في الواقع اللاهوت العقائدي، التوسط بالكنيسة، في صورة فلسفية، النقيض الأول، الروح والمادة، يحتوي على فلسفتين، فلسفة الروح وفلسفة الطبيعة، فلسفة الروح مكسب للعصور الحديثة في نضالها ضد الفلسفة المدرسية، اللاهوت العقائدي، التي سادتها فلسفة الطبيعة، وفلسفة الطبيعة، أو المادة، هي أيضا مكسب للوعي الأوروبي باكتشافه الموضوع الواقعي للعلم ضد نسيان هذا الواقع في اللاهوت العقائدي. والنقيض الثاني، الفكر والعمل، يتضمن أيضا فلسفتين؛ فلسفة النظر وفلسفة العمل. ولما توجهت فلسفة الوعي نحو المثالية الخالصة، وهو رد فعل على المادية والتاريخية في اللاهوت العقائدي، استدعيت فلسفة أخرى للعمل من أجل إيجاد التوازن بين «اللوجوس» و«البراكسيس»، والمثالية الخالصة رد فعل طبيعي ضد خليط تاريخ العقائد واللاهوت التاريخي. والنقيض الثالث، الحلول والمفارقة، يمثل فلسفتين؛ فلسفة المفارقة ضد التشبيه في اللاهوت العقائدي، وفلسفة الحلول ضد مغالاة فلسفة المفارقة التي نسيت أثرها في العالم، المفارقة ضد الحلول، والحلول ضد النزعة الخارجية في تصور الله. والنقيض الرابع، الشخص والمجتمع، يشير أيضا إلى فلسفتين؛ فلسفة الشعور أو الفرد أو الشخص الإنساني ضد نسيان الفرد في اللاهوت العقائدي، وفلسفة اجتماعية أو جماعات أو مجموعات ضد صورتها المنعزلة ممثلة في الكنيسة، فإذا كانت النقائض تمثل فلسفتين رد فعل على اللاهوت العقائدي، وهي ما تسمى فلسفة التوسط، فإن هذا لا يمنع أن تكون هاتان الفلسفتان تحولا أو نقلا لبعض مظاهر معطى الوحي الأول الذي يزعم اللاهوت العقائدي تمثيله، وهو زعم خاطئ؛ ومن ثم فإن موضوع فلسفة الدين التي تقوم على التوسط ليس إلا تبريرا جديدا لشرعية الكنيسة وضرورة وجودها.

48 (4) عدم إدراك أبعاد الشعور الثلاثة

49

مرت فلسفة الدين القائمة على التوسط مر الكرام على نظرية أبعاد الشعور الثلاثة؛ إذ يتضمن نسق المعرفة الدينية، الدراسة التجريبية والدراسة الفلسفية والدراسة اللاهوتية، أبعاد الشعور الثلاثة: الشعور التاريخي وهو الدراسة التجريبية لتاريخ النصوص، والشعور النظري وهو التحليل النظري للنص ابتداء من اللغة، والشعور العملي وهو استعمال معطى الوحي كبناء مثالي للعالم.

50

ولا تستطيع فلسفة التوسط بسهولة الإشارة إلى أبعاد الشعور الديني الثلاثة: الوعي التاريخي، والوعي النظري، والوعي العملي. ومع ذلك فإن التقريب بين نشوء المصير الديني ونظرية أبعاد الشعور الثلاثة ممكن؛ فتوسط الشخص للوعي الثلاثي الأبعاد، وتوسط الوحي للوعي التاريخي، وتوسط المعرفة للوعي النظري، وتوسط الفعل للوعي العملي، ويظل توسط الكنيسة لا محل له، ويظل موضوع ترتيب الأبعاد الثلاثة للوعى: الوعي التاريخي، والوعي النظري، والوعي العملي؛ فإن الترتيب في نشوء المصير الديني كالآتي: التوسط بالمعرفة، والتوسط بالفعل، والتوسط بالشخص، والتوسط بالكنيسة. الشخص هو الوعي في مركز معطى الوحي، والكنيسة زائدة لا مكان لها في فلسفة الوعي؛ فالنظام الموازي للوعي الثلاثي الأبعاد هو: الوحي، والمعرفة، والفعل. وما يهم هو التقدم المنهجي والواقعي الذي يمثله كل بعد بالنسبة للآخر، وطبقا للوعي الثلاثي الأبعاد، الوعي التاريخي هو البعد الأول في حين أن توسط الوحي هو البعد الأخير في فلسفة التوسط، والوعي النظري ممر من الوعي التاريخي إلى الوعي العملي، في حين أن توسط المعرفة هو التوسط الأول، والوعي العملي هو ذروة الوعي الديني في حين أن توسط الفعل ليس إلا التوسط الثاني في نشوء المصير الإنساني. والسؤال الآن هو: هل كل توسط في نشوء المصير الإنساني يمثل تقدما بالنسبة للوعي اللاحق؟ هل يمثل توسط الفعل تقدما بالنسبة إلى توسط المعرفة؟ هل يمثل توسط الشخص تقدما بالنسبة لتوسط الفعل؟ هل توسط الكنيسة يمثل تقدما بالنسبة لتوسط الفعل؟ هل توسط الوحي يمثل تقدما بالنسبة لتوسط الكنيسة؛ وبالتالي يصبح الوحي ذروة نشوء المصير الإنساني؟ فإذا كان الرد بالإيجاب يصبح الشخص شرط وجود المعطى الديني نفسه؛ فالوحي المعطى هو نقطة البداية للشعور الديني، ثم تأتي المعرفة بعد ذلك بالفهم، ثم يأتي الفعل في النهاية ليحقق كلمة الله على الأرض كنظام مثالي للعالم.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدين · الصفحة ١٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدينص ١٥٤