تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

33 (3) تبرير اللاهوت الدوجماطيقي

34

وكما حدث من قبل في نقد نظريات الحدس الفلسفي والديني واستعماله من أجل تبرير اللاهوت الدوجماطيقي، فقد استعمل نقد النظرية المسماة تجريبية أيضا لنفس الهدف، فقد استعمل نقد المدرسة الاجتماعية، وهو تطبيق النشأة الاجتماعية للحياة الروحية، والعلاقة الضرورية بين المجتمع كظاهرة والمجتمع كالشيء في ذاته، من أجل إثبات الله في النقد الأول، وإثبات الكنيسة في النقد الثاني، كانت الغاية من وضع كل النظريات الفلسفية عن الدين تحت نفس عنوان التجريبية لأنها لا تترك شيئا يند عن الشرح مثل الشر من أجل تبرير اللاهوت الدوجماطيقي وإضفاء الشرعية عليه.

35

وحدث نفس الشيء في تحليل مساهمة تاريخ الأديان، ولو مساهمة محدودة، ومنفعته التي لا تخلو من اهتمام، ونسبيته التي لا يمكن التنازل عنها،

36

والفرصة الوحيدة ليكون للاهوت الدوجماطيقي دور أن يصبح تاريخا للعقائد كما هو الحال في التاريخ المقارن للأديان الذي منه خرج منهج «تاريخ الأشكال الأدبية».

ولا يمكن إثبات ضرورة الظاهرة الدينية بنقد النظريات الغنوصية؛ لأن الغنوصية حقيقة إنسانية، بل إنها شرط الحصول على الوحي،

37

وإن استحالة تجاوز التجربة ليس بالضرورة نفيا للمعرفة المطلقة؛ فالمعرفة المطلقة ممكنة، أولا في التجربة الذاتية، وثانيا في التجربة المشتركة، ودور الوحي هو دور القبلي في الإدراك، شعاع من صورة الشعور إلى مضمونه، من الذات إلى الموضوع، وإذا كان معنى النص الممكن مطابقا لدلالة التجربة اليومية ففي هذه الحالة يمكن الحصول على المعرفة المطلقة؛ أي الحقيقة. المطلق إذن حصيلة الاستقرار، ويؤكد التحليل النقدي للفكر استحالة تجاوز التجربة في المعرفة أو في الوجود، ولا يوجد ما يند عن المعرفة إلا إذا قام بالانتقال المتقطع من المعرفة إلى الوجود، وحجج الغنوصية وقائع إنسانية،

38

ونقدها بأنها علاقة ضرورية بين المعرفة والمطلق، العلاقة الباطنية المحددة بين الفكر والمطلق هي أيضا حقائق إنسانية ممكنة يمكن التحقق من صدقها بالتجربة، دون افتراضات مسبقة. النقص الوحيد في الغنوصية ليس النزعة التصورية السكونية؛ لأن الغنوصية معرفة غير تصورية قد تكون فاعلة؛ أي حركية، بل وقوفها في منتصف الطريق دون إمكانية الحصول على الحقيقة الموضوعية الشاملة مثل كون الوعي الفردي صورة للوعي الشامل، والوعي بالآخر في التجربة المشتركة، ودور معطى الوحي كحقيقة ممكنة تقوم بدور القبلي في الإدراك.

39

صحيح أنه يمكن مناقضة التشاؤم بتجارب الحياة اليومية: السعادة، الحب، الإخلاص، الأمل ... إلخ، دون أن يكون فيها حجة لإثبات مطلق يند عن التجربة؛ إذ ينفي الاستقراء ذلك. ويبين التحليل الداخلي للإرادة عكس ذلك؛ فالتحرير ليس فقط نتيجة العدمية، بل إنه يتم أيضا في الوجود الإنساني وفي الوجود العام.

40

وإذا أثبتت تجربة السعادة علاقة ضرورة بين الرغبة والمطلق تكون هذه العلاقة ضرورية في رسالة الشخص، والمطلق ما هو إلا مشروعه. وإذا أثبتت تجربة الأمل وحدة تحقق الرغبة في المطلق يتم هذا التحقق بنشاط الشخص الذي يحقق رسالته في الحياة.

41

صحيح أن للإنسان مصيره المطلق، وهو ليس خارجا عن طبيعته، بل يخرج منها، إن هواية النسبية الشاملة ورد الفكر والعمل، والذي ينتهي إلى السخرية، مصير قصير الأجل؛ إذ يتحقق المصير المطلق للإنسان في الحياة الزمانية للفرد ثم في الحياة الزمانية للآخرين؛ أي في الحضارة،

42

وإن نقد الهواية بتعارض الفكاهة والضحك، وبتعارض الإخلاص والإنسانية من الهواية، لا يفسر هذا الأجل القصير للهواية، وهو محدود بحياة الشخص.

43

صحيح أن الإنسان هو مطلق ذاته، ولكن الإنسان مفتوح بفعله على أقرانه، يخلد الإنسان في الآخر، والآخر يخلد في الآخر، إلى ما لا نهاية، وباختصار يخلد الإنسان في جماعته الحضارية، وتخلد الجماعة الحضارية في الإنسانية جمعاء.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدين · الصفحة ١٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدينص ١٥٣