8
ويختلط التعريف والمنهج داخل المذهب؛ فالتعريف العقلي يأتي من النظريات التأملية، والتعريف الحركي من النظريات الحركية، والتعريف الاجتماعي من النظريات الاجتماعية، والتعريف التاريخي من تاريخ الأديان ... إلخ. وترجع أهمية التعريفات الفلسفية للدين ليس فقط في البحث عن التعريف الدقيق، بل في نشأة هذا النوع من التأمل في بدايات العصور الحديثة التي تسمى فلسفة؛ فالواقع أن كل التعريفات الفلسفية أو على الأقل أكثرها قد بدأت في العصور الحديثة، أو على وجه أدق في التيارات الفلسفية في العصور الحديثة، وإظهار كل تعريف أحد الجوانب أكثر من الآخر سمة طبيعية عامة لكل الاتجاه الفلسفي الذي ينتمي إليه التعريف، وقد تم تحديد التعريف الفردي ضد تعريف العامة، والعقلاني ضد الدوجماطيقي، والوجداني ضد العقلي، والأخلاقي ضد الشعائري، والحركي ضد السكوني، والوجودي ضد الماهوي، والواقعي ضد التركيب المثالي، والتركيب الدنيوي لكل شيء ضد التركيب الديني.
9
وطبقا لتطور الوعي الأوروبي بشكل تخطيطي عام، كان العقلاني ضد الدوجماطيقي في بدايات العصور الحديثة،
10
وتعريف الدين بأنه «معنى المطلق» هو عود إلى تبرير «الله» الدوجماطيقي بظاهر اللغة الفلسفية. إن لم يتحقق من وجود المطلق بالاستقراء أو التجربة فإنه يكون باستمرار نقلا عقليا ل «الله» الدوجماطيقي.
11
وللغة أهميتها في نواة المعنى الاشتقاقي؛ إذ يكشف عن الاتصال الأول بين الشعور والعالم والتعبير عنه باللغة، يظهر الموجود العياني في المعنى الاشتقاقي كنواة للمعنى. صحيح أن للغة أيضا معناها العرفي الذي يمكن معرفته عن طريق العلوم الإنسانية، وهناك أيضا المعنى القبلي الذي يعطيه الوحي، ومع ذلك يظل المعنى الاشتقاقي الضامن الأول لكل معنى للفظ،
12
ويستمر الخلط بين علوم الوقائع وعلوم الماهيات، وتنقد المعاني التاريخية للدين وكأنها ماهيات،
13
ويساعد الإطار التاريخي لدين الوحي على التعرف على الآثار والتأثيرات التاريخية للبيئة داخل المعطى الديني وفي قلب تجلياته الحضارية. وتبدو أهمية تاريخ الأديان المقارن في وضع الدين في إطاره التاريخي الأول الذي ساعد على نشأة منهج تاريخ الأشكال الأدبية، والذي كان محط آمال عديدة، ويستمر الخلط بين الدين التاريخي ودين الوحي،
14
ووضع تعريفان مختلفان في النوع على نفس المستوى. (2) عدم تجانس تصنيف المناهج
15
إن تصنيف كل النظريات الفلسفية تقريبا في الدين تحت عنوان «النظرة التجريبية» مخاطرة؛ فقد صنفت نظريات مثالية كنظريات تجريبية لأن كل النظريات تشرح الظاهرة الدينية دون أن تترك شيئا يند عن الشرح، ويظل سرا كموضوع للاهوت الدوجماطيقي، ويوجد نفس الشيء في فلسفة الدين التي تقوم على التصورات، المقولات والمخططات، التي تصنف تحت عنوان «منهج الشرح» عدة اتجاهات حالة وعلية وتوحيدية بالرغم من اختلافاتها النوعية، فإذا وقعت النظريات التجريبية في الخطأ النشوئي يقع اللاهوت الدوجماطيقي في نفس الخطأ؛ لأن نشأة العقائد وتكوينها ابتداء من الوعي التبشيري الأول الفردي والجماعي، وداخل النظرية التجريبية يوجد منهج التفسير ومنهج الفهم، والعنصر الذي يند عن الشرح صحيح مثل الانتقال المنقطع من المعرفة إلى الوجود أو من الوجود إلى المعرفة، وهي قفزة معروفة. ويمكن التحقق منها في الخبرات اليومية، كما أن قسمة النظرية التجريبية إلى تأملية حركية واجتماعية ليس تقسيما متسقا؛ إذ تؤدي النظرية التأملية التجريبية إلى خلط شديد لو وجدت مثل هذه النظرية، والعقل العملي المصنف كنوع في هذه النظرية ليس تأمليا ولا نظريا طبقا لمجرد العنوان.
16
والنظرية التي سميت العقل العملي هي نوع من النزعة الفردية الجماعية تدعو إلى لادينية المستقبل، والأولى إطلاق العقل العملي على دين نقد العقل العملي، بالإضافة إلى أن هذه النظرية هي نوع من الحركية، ويمكن تصنيفها مع النظريات الحركية المؤسسة على الحياة الغريزية والأفكار-القوة، وإن تفسير الدين بسيادة الإدراك أو الخيال، الأسطورة أو النزعة الحيوية لا تعد لهذا السبب نظرية تأملية، بل تعتبر جزءا من النظرية التجريبية.