95
وفي الحياة الخاصة لمؤسس الظاهريات كان الإيمان الديني حاضرا: «آه، أتخيل تماما أنك ستكون حاضرا عندما أموت قارئا الإنجيل بصوت مرتفع بينما أنا داخل إلى الخلود.» وأيضا: «منذ مطلع شبابي ناضلت ضد كل صور الغرور، والآن انتصرت عليها تقريبا، بل إن غرور وظيفتي، واحترام طلابي وإعجابهم بي، وبدونهما لا يستطيع أي أستاذ أن يعمل، أحب قبل موتي أن أتجه إلى العهد الجديد مثل نيوتن، وألا أقرأ شيئا آخر، ما أجملها من أمنية لو حدث ذلك!» وأيضا: «بعد أن أكملت رسالتي كفيلسوف أكون حرا في أن أعمل لمعرفة ذاتي لأن أحدا لا يستطيع أن يعرف نفسه إن لم يقرأ الكتاب المقدس.» وأيضا: «أي يوم رائع يوم الجمعة المقدس الذي غفر لنا فيه المسيح كل شيء.»
96
هذه التأملات الدينية تعبر عن رؤية شاملة: «الفضل حرية الله، لا يقترب الإنسان من الله بالفضل بل بجهوده الخاصة المستمرة.» وأيضا: «يسير الراهب مثل كل مسيحي، في طريق ضيق ومرتفع، يمكن أن يقع بسهولة، ولكنه يمكن أيضا أن يرتفع، ليس لأنه يرفض العالم بل لأنه يراه في الله.»
97
| الباب الثالث: ظاهريات الدين
| الفصل الأول: فلسفة الدين1
كان الهدف بين محاولات «الفهم والتكوين والتأويل» العثور على هذا المنهج الظاهرياتي من أجل تطبيقه في ظاهرة الدين، ولقد تمت محاولات عدة من قبل لتطبيق المنهج الظاهرياتي في ظاهرة الدين مرة في فلسفة الدين، ومرة ثانية في ظاهريات اللاهوت، ومرة ثالثة في ظاهريات التأويل. وتمثل كل محاولة تقدما كبيرا بالنسبة إلى المحاولة السابقة، وظاهريات التأويل التي تنتسب إليها هذه الدراسة هي قمة المحاولات الثلاث، ويمكن الآن مراجعة كل محاولة لبيان حدودها ومدى ما تمثله من تقدم في ظاهريات الدين.
2
ولقد تمت محاولتان على الأقل حتى الآن في فلسفة الدين، وتقدمان مجموعة من الأبحاث حول نفس الموضوع، وهما أكثر المحاولات قوة وجذرية، كانت فلسفة الدين حتى الآن وقبل المنهج الظاهرياتي، هو البحث السائد في فلسفة الدين، وفي هاتين المحاولتين يظهر المنهج الظاهرياتي على نحو ضعيف كفلسفة مثل غيرها من الفلسفات دون أن يكون لها أي أولوية على غيرها، المحاولة الأولى «فلسفة التوسط»، والثانية «فلسفة التصور»، ويمكن مراجعة كل فلسفة على حدة.
3
| أولا: فلسفة التوسط1
فلسفة الدين باعتبارها فلسفة في التوسط تستحق المراجعة، وهي محاولة بول أورتيجا: «فلسفة الدين تركيب نقدي للمذاهب المعاصرة من أجل إقامة مذهب شخصاني وجماعي.»
2
ويلاحظ أولا أن العنوان الفرعي «الواقعية الشخصانية والجماعية» نتيجة لنقد نظريات الحدس الفلسفي الديني، ويبدو أنها تبرير جديد للاهوت العقائدي وإعطائه اتجاها جديدا موجودا من قبل في الفلسفة المعاصرة.
3
يبين الجزء الأول من العنوان الفرعي بوضوح ارتباط فلسفة الدين بالمنهج بمعنى منهج التحليل الفكري ونقد فلسفة الدين التي تقوم على التصورات والمقولات والمخططات.
4
يعني النقد هنا ببساطة تبريرا جديدا للاهوت العقائدي، مبينا نقص المحاولات السابقة وعيوبها، ولفلسفة التوسط كفلسفة للدين ميزة على فلسفة التصور بتجنب أخطاء عديدة لهذه الفلسفة الأخيرة خاصة فيما يتعلق بالثقل الهائل للمؤلفات المعاصرة المقدمة كنماذج،
5
وهي أكثر مباشرة وأكثر صراحة بالرغم من أنها تعمل على تحقيق نفس الغاية، كما أن لها ميزة وضع العمل داخل فلسفة الدين كما وضعت نظرية الفعل-القانون داخل الفلسفة الأخرى للتصور. ومع ذلك، هي محاولة غير ناجحة بسبب خلطها في تعريفات الدين، وعدم الاتساق في تصنيف المناهج، وتبرير اللاهوت العقائدي، وعدم التعرف على نظرية الأبعاد الثلاثة للشعور، والمساهمة القليلة للمنهج الظاهرياتي.
6 (1) الخلط في تعريفات الدين
7
إن غياب كل تحليل باستثناء نشأة الفلسفة الحديثة وماهيتها جعل مخطط إقامة فلسفة الدين على التوسط سطحيا للغاية؛ فالتعريفات والمناهج كلها تنتمي إلى المذاهب الفلسفية في العصور الحديثة.