84
ولولا تحول الحرية إلى المستوى المنطقي لكانت الحرية فلسفة عملية للفكر والعمل. (3) الاتجاه الديني الضمني
85
يظهر الاتجاه الديني الضمني في الحركة الباطنية للفكر إلى الأعلى حتى ولو أخذ طابعا رياضيا، والطابع النفساني في «فلسفة الحساب» هو اقتراب إلى «الحميمي الأكثر حميمية» الذي تتحدث عنه الفلسفة المدرسية. والاتجاه المثالي في «بحوث منطقية» يتبع أيضا نفس المطلب، وتسمى فلسفات العصور الحديثة «أعلى الأعلى» «من الخارج إلى الداخل، ومن الداخل إلى الأعلى»، وهذا هو ما يفسر الاتجاهين السابقين، لا يوجد تغير لأن مطلب المطلق في كل مكان. «الرد» الظاهرياتي اتجاه ديني ضمني. هو تحرير للنفس من سيطرة الاتجاه الطبيعي بالتحول من الخارج إلى الداخل، وبالتعبير بالصورة هو ملاء كاف من الوضوح، هو تقريبا فعل الحرية، مع أن تعليق الحكم يظل إيحاء بالحقيقة التي لا يمكن زحزحتها.
86
أما «التكوين» فإنه قلب العالم الكبير إلى العالم الصغير، والذي يعبر عن ملاء الإيمان، وأنماط الاعتقاد المعرفي هي في الحقيقة أنماط الاعتقاد الديني، وحياد الشعور هو رفض سيطرة العالم على الشعور، ومنهج الإيضاح بحث عن الحقيقي أي الحقيقة الدينية ، الوعي الأوروبي ذاته يبحث عن الحقيقة الدينية، والتي رفضها كتاريخ ثم أوجدها كحقيقة إنسانية، جوهر الحقيقة الموحى بها.
إن مظاهر الثقة لدى مؤسس الظاهريات تؤكد التأويل الديني للعلم الذي أنشأه، «انظر إلى العهد الجديد أمامي، هو دائما فوق مكتبي، ولكن لا أفتحه على الإطلاق، وإذا شرعت في القراءة فإني أعلم أنني يجب أن أترك الفلسفة.»
87
ومن ثم تعبر الظاهريات من خلال الفلسفة ما وجد من قبل في الدين طبقا لعبارة «لن تبحث عني إن لم تكن قد وجدتني»، والتماثل المطلق بين الاثنين، الفلسفة والدين جعلت مؤسس الظاهريات يقول عن رائد الفلسفة الوجودية: «أنا متفق معه خاصة حول التناقص لأن التناقص ضد العقل.»
88
ما صدم مؤسس الظاهريات هو الدين الظاهري الشعائري، وهو ما منعه من الانتساب إليه، «أنتم أيها الكاثوليك، تجلسون على المائدة وكأنكم في مأدبة»، وعنده «هذا ليس سهلا» «لو أنني أستطيع ذلك».
89
وظاهرية الشعائر مثل تعقيد العقائد، «أنا الآن طاعن في السن، وقد أنفقت حياتي كلها وأنا أعمل بوعي تام؛ لذلك يلزمني قضاء خمس سنوات مع كل عقيدة، انظر الآن كم أحتاج من وقت للوصول إلى كل شيء.»
90
لا يمكن زحزحة الدين التاريخي، «الله خير ولا يمكن النفاذ إليه، وهذا امتحان كبير لي.» وأيضا «أرى أنه معي، ولكني لا أشعر أنه قريب مني.»
91
بين الظاهريات والدين هناك تماثل في الغاية، واختلاف في الوسيلة، «حياة الإنسان ليست إلا طريقا إلى الله، أحاول الوصول إلى هذه الغاية دون أدلة ومناهج أو وسائل لاهوتية مساعدة. وبتعبير آخر، الوصول إلى الله دون اللجوء إليه، كان لزاما علي إبعاد الله من فكري العلمي من أجل شق طريق إليه مثل هؤلاء الذين مثلنا ليس لديهم اطمئنان الإيمان عن طريق الكنيسة. أنا أعلم أن هذه الطريقة خطرة علي إن لم يكن لدي ارتباطات عميقة بالله وإيماني بالمسيح.»
92
والواقع أن «الرد» الظاهرياتي هو طريقة للبحث عن الحقيقة بداية بلا شيء، وهؤلاء الذين يرفضونها «يخشون النفاذ إليها حتى ولو كان الهدف البرهنة على أسسها اللاهوتية، يخشون أن نطالبهم بأن يستبعدوا من روحهم، حتى ولو لحظة واحدة، الوحي والعقيدة بل والله نفسه. يخشون من الدخول في نار الشك التام.»
93
وتستعمل لغة الرمز للتعبير عن الطريقين. «هناك حركتان يبحث كل منهما عن الآخر باستمرار، يتقابلان ثم يبحثان من جديد.»
94
هذان الطريقان هما الحقيقة الإنسانية والحقيقة الإلهية، الحقيقة العقلية والحقيقة الموحى بها.
والعبارات الرمزية التي تفوه بها مؤسس الظاهريات هنا وهناك استعمل فيها لغة التصوف، لغة النور، فبعد أن قرأ الإنجيل وهو جالس في الشمس قال: «الآن سطعت شمسان في.» كما قال: «من النور إلى الظلام، والظلام الكثير، ثم إلى النور من جديد.» وترتبط لغة النور بلغة رؤية الرائع: «رأيت شيئا رائعا. بسرعة أكتب.»