| رابعا: التأويل الحضاري والديني في الدراسات الثانوية1
تبدو الدراسات الثانوية أحيانا نافعة للغاية عندما توغل في المخطوطات حيث يوجد باطن الظاهريات،
2
وفي الذاتية المشتركة تجد الظاهريات حدوسها الأخيرة، تقترب الظاهريات من التصوف في الجماعة الخلقية: الحب الخالص، إنكار الذات، العيش مع الآخرين، الحب الشامل للجار، والحب المطلق.
3
وأيضا تبين الدراسات الأخلاقية في المخطوطات نفس الشيء، الظاهريات في ساعاتها الأخيرة.
4
ودون العودة الجذرية إلى الموضوعات المدروسة سلفا، مثل: الذاتية المشتركة أو الأخلاق، بنية الوعي الأوروبي وتطوره، بدايته ونهايته، استحالة «رد» القيم الأخلاقية إلى المعادلات الرياضية؛ تقدم الدراسات الثانوية للمخطوطات نفعا كبيرا بتناولها ظاهريات الساعة الأخيرة.
تبدأ التأملات الفلسفية في الظاهريات، وتستطيع أن تساهم في تطوير المنهج الظاهرياتي عندما تسير إلى أبعد شوط وأقصى مدى، وتطبق النتائج في العلوم الإنسانية في أزمتها المنهجية وكما هو الحال في الدين؛ إذ تساعد التأملات حول بؤس الواقعة وعظمتها في تقدم الدراسات التاريخية في العلوم الدينية من أجل التخلص من شقاء الواقعة والوصول إلى عظمتها.
5
كان يمكن للملاحظات الثاقبة في الدراسات الثانوية أن تساعد في صياغة الظاهريات التطبيقية، خاصة ظاهريات الدين، وكثير من المشكلات النظرية المثارة في العروض ليست لها حلول نظرية، بل هي متطلبات عملية، سواء كانت مشاكل تاريخية أو معرفة أو عملية.
ومن ضمن الموضوعات الرئيسية في الدراسات الثانوية ما كان يمكنه المساهمة في تقدم العلوم الإنسانية، خاصة العلوم الدينية؛ فمشكلة مثالية الدلالة ضرورية للعلوم الدينية بالنسبة للوحي كموضوع مثالي، وقد فقد موضوع الوحي مثاليته واستقلاله ووجوده الذاتي حتى الآن في العلوم الدينية، وإذا استطاعت الظاهريات كما عرضتها الدراسات الثانوية تجاوز مستوى الظاهريات النظرية للوصول إلى ظاهريات تطبيقية تصبح نظرية مثالية الدلالة كمشكلة ميتافيزيقية مثالية الموضوع كمشكلة تأويلية في ظاهريات الدين.
6
| خامسا: التأويل الحضاري والديني في الظاهريات التطبيقية1
ليست لبعض التأملات الفلسفية التي تعتمد على الظاهريات حلول إلا في ظاهريات تطبيقية خاصة في ظاهريات الدين، مشكلة التاريخ ليست مشكلة فلسفية، بل بعد للوعي الديني، ومصير كل حل نظري لمشاكل التاريخ هو الفشل؛ لأنها تتطلب حلولا تطبيقية. مثلا، التاريخ هو محل الظهور التدريجي للحقيقة، هو تاريخ النص، وليس تاريخ الحادثة، ليس موضوعا للمعرفة، بل محل استقبال المعرفة، ويصبح عالما عندما يكمل التاريخ دوره في إظهار الحقيقة؛ فالعالم هو ميدان عمل الشخص، تستطيع ظاهريات الدين وحدها بتقديم معطى الوحي أن تحل كل المشاكل الخاصة بالتاريخ.
2
ولما كان الدين أساس الظاهريات وكل الفلسفة الأوروبية فإنه لا يوجد على نحو مباشر باستعمال مصطلحات معينة، مثل: «الله»، «الدين»، «النبي» ... إلخ، بل من خلال التوجه العام للعلم بالإضافة إلى تحليل نفسي لمؤسسه؛ فالعمل لا ينفصل عن صاحبه. إن إنكار الدين كأساس أولي لتحولاته في بدايات العصور الحديثة هو فصل بين ميدانين؛ الدين المتراجع من ناحية، والفلسفة والعلم المتقدمين من ناحية أخرى. فلسفة الحدس لا تمنع من فلسفة الإلهام، والمنطق لا يعمي الوجود، ويتضمنهما الدين معا.
3
وفي الظاهريات التطبيقية، تظهر التأملات الدينية المباشرة أو المتحولة غير المباشرة؛ فالتأملات حول التناهي في تفسير الوجود أو حول المفارقات تحيل إلى المطلق، وأحيانا إلى الله مباشرة،
4
والتأملات الأنطولوجية تتجه دائما نحو شعر السماء والأرض، والنور والظلام، وصور شعرية أخرى تكشف عن خلفية دينية، وإذا ما ذهبت هذه التأملات أبعد من ذلك لكانت قد انتهت إلى التأويل الأخلاقي الديني للظاهريات.