3
تشير الأزمة إلى الفصل أو الخلط بين مستويين متميزين، فصل الصوري عن المادي في العلوم الصورية، المنطقية والرياضية، لحساب الصوري، وفي العلوم الطبيعية أو الفيزيقية لحساب المادي، وفي العلوم الإنسانية وقع خلط مستمر بين مستويين متميزين، ثم أتت الظاهريات لتصحيح الوضع بالتمييزات الأساسية وبالبحث عن الأصلي الذي يسبق كل عنصر للتنظير.
إن أزمة الحضارة الأوروبية ليست خطابة حول بؤس الروح الأوروبي أو عظمته، بل هي أزمة وعي فردي وحضاري استطاعت أن تعطي مخططا لبنية الحضارة وتطورها.
4
صحيح أن الوعي الأوروبي له بداية وله نهاية، ولكن ذلك يثبت بقانون البنية والتطور الذي لامسته المؤلفات الحضارية في الظاهريات،
5
كما شعرت الظاهريات التطبيقية بالعلاقة بين الفلسفة وأوروبا، وتم تحليل «نسيان العالم في الفكر الأوروبي» وتعويضه بأنطولوجيا جذرية،
6
ويوجد أيضا في الظاهريات التطبيقية الإحالات إلى إمكانية التأويل الحضاري، وقد اعتبر تقدم التجربة رسالة الفلسفة،
7
والواقع أن تجربة الوعي الأوروبي تتحدد وتتقدم بالجهد الشاق في البحث عن الحقيقة.
وقد لاحظت الدراسات الثانوية التأويل الحضاري للظاهريات دون إظهار مخطط داخل بنية الوعي الأوروبي وتطوره،
8
ويتلخص هذا المخطط في قانون ذات مراحل ثلاث للتطور ورؤية ذات ثلاثة مستويات للبنية، يبدأ الوعي الأوروبي في العصور الحديثة، ثم تلتها فلسفة الوجود في العصر الحاضر ضد الصورية والتجريد في فلسفة الروح، وتتلخص الرؤية الثلاثية في رؤية للروح يمثلها الدين، وفي رؤية للمادة تظهر باستمرار في العلم، وفي رؤية للوجود متحققة دائما في الفلسفة، هذا هو المخطط الضمني في المؤلفات الحضارية في الظاهريات.
9
| ثالثا: التأويل الديني1
ويلمس التأويل الحضاري للظاهريات التأويل الديني؛
2
فالتأويل الحضاري ليس إلا مدخلا للتأويل النهائي للظاهريات، وهو التأويل الديني، والأخلاق ليست إلا تحولا إنسانيا للدين، وبالرغم من أن الإحالة إلى التأويل الديني في الظاهريات ليس شائعا، ومع ذلك هو تأويل حاسم؛ فالمشاكل الأخلاقية والدينية موجودة في المجتمع، ومشاكل الواقع الحادث، الميلاد، والموت، والمصير، والحياة القويمة، هي أيضا مشاكل الذاتية المشتركة كتجربة فريدة.
3
الدين نواة الحضارة؛ فقد «تحول الإيمان الديني في بداية فجر العصور الحديثة تدريجيا إلى اتفاق خارجي، إيمان جديد يكشف عن إنسانية عاقلة، الإيمان بفلسفة وبعلم مستقلين.»
4
هنا تشير الظاهريات إلى «التشكل الكاذب» في بداية العصور الحديثة بين الدين والفلسفة؛ فالذاتية الترنسندنتالية، مشروع النهضة، عود إلى الوحي. «الكوجيتو» في العصور الحديثة اكتشاف للإيمان المفقود داخل ميراث العصر الوسيط، والشعور الذي تم إبرازه في العصور الحديثة ليس إلا تصحيح انحراف منذ الإعلان عن «البشارة الطيبة» حتى القصور الحديثة، وقد تم اكتشاف الذاتية الترنسندنتالية بالنشاط التأملي الإنساني والاكتشاف التلقائي لنفس الحقيقة المعطاة سلفا في الوحي، وإذا كانت الظاهريات عودا إلى الذات الخالص، وهو مشروع النهضة، فإن ذلك يعني أنه عود إلى الوحي الذي أعيد اكتشافه بالجهد الإنساني في العصور الحديثة، وإذا أخذت الظاهريات كمنهج للبحث في الظاهرة الدينية فإن ذلك لم يكن مصادفة؛ فالظاهريات التي اكتمل فيها مشروع النهضة هي الوحي نفسه الذي أعيد اكتشافه مرتين؛ الأولى في بدايات العصور الحديثة باكتشاف «الأنا أفكر» «الكوجيتو»، والثانية في العصر الحاضر باكتشاف مضمون الشعور «الأنا مفكر فيه»، واكتشاف الذاتية في العصور الحديثة هو في الواقع عود إلى الإنجيل في صورة عقلية آتية من العقلانية القديمة، وأعيد التعبير عن شمول الوحي كمضمون بشمول العقل كصورة لغوية. الوعي الأوروبي وريث الوعي اليهودي المسيحي، ومادية الوعي اليهودي والروماني أصل مادية الوعي الأوروبي. ترجع مادية الوعي اليهودي إلى العهد القديم، بينما ترجع مادية الوعي المسيحي إلى تاريخ الإمبراطورية الرومانية وإلى الوعي الأوروبي في أزمة العلوم الأوروبية، الدين كرؤية أسطورية عملية للعالم أدنى من العقلانية والهم النظري الخالص تصور يأتي من تاريخ الأديان، الظاهريات نفسها هي استمرار نقل الدين إلى المستوى الإنساني، وقد بدأ ذلك منذ النهضة، واكتمل في الظاهريات.