6
وهناك تعبيرات كثيرة تشير بوضوح إلى ارتباط الحضارة الأوروبية ببيئتها الخاصة مثل: «كل يوم»، «منذ أيامنا»، «حتى هذا اليوم»، «اليوم»، «حتى الآن». تدل هذه التعبيرات على جهد المراجعة التي تحاول كل نظرية القيام به للنظريات السابقة، وتدل تعبيرات أخرى مثل: «في العقد الأخير»، «في العشر سنوات الأخيرة»، «في النصف الأول من القرن التاسع عشر»، «في منتصف القرن» ... إلخ على ارتباط الحضارة بروح عصرها، كما أن تعبيرات أخرى مثل: «عصرنا»، «زماننا»، تبرهن مرة أخرى على ارتباط كل مرحلة في الحضارة بروح عصرها، وتبرز تعبيرات أخرى مثل: «العصور الحديثة»، «العلم الحديث»، «علم النفس الحديث»، «النظريات الحديثة»، مدى الحضور الطاغي للروح المعاصرة تماما، مثل تعبيرات: «الفكر المعاصر»، «علم النفس المعاصر»، «علم النفس الحالي» ... إلخ. وباستمرار يعارض الجديد القديم، والصور الحديثة للمنطق ضد أشكال القياس القديمة، والنظريات الحديثة في العالم ضد النظريات القديمة، هذا الوضع للحضارة في الزمان هو الذي قسمها إلى العصر القديم والعصور الحديثة، وقد خلق مسار التاريخ ألفاظا أخرى مثل: «المدرسية»، «الإصلاح»، «النهضة». لذلك تدل تعبيرات مثل: «الإنسانية القديمة»، «الإنسانية الحديثة»، على الفترات والمراحل المختلفة للوعي الأوروبي.
7
وترتبط الحضارة الأوروبية ارتباطا وثيقا بمناطقها العديدة، مثل: «المثالية الألمانية»، «التجريبية الإنجليزية».
8
تبدأ الفلسفة الألمانية بالفلسفة النقدية،
9
وفي المثالية الألمانية تكتمل الظاهريات. وتظهر صفة «ألماني» في الشرح الأخير في «الأفكار»، مثل: «القارئ الألماني»، «الفلسفة الألمانية» ... إلخ.
10
ولا تطلق صفات المناطق الحضارية المختلفة على تيارات الفكر، مثل: «المثالية الألمانية»، «التجريبية الإنجليزية» ... إلخ فقط، بل أيضا على المفكرين أنفسهم، مثل: «المناطقة الألمان»، «المناطقة الإنجليز» ... إلخ.
11
وبالإضافة إلى الشعوب الأوروبية تظهر الشعوب الأخرى، مثل: «اليونان»، «الرومان»، «المصريون»، «الفرس»، «البابليون»، «الصينيون»، «الهنود»؛ والتي لم تصل إلى درجة العلم النظري الشامل، الحضارة اليونانية الأوروبية وحدها هي ممثلة الإنسانية، وينتمي الباقي إلى الحضارة الشرقية، وغايتها العمل الشامل؛
12
فالحضارة الأوروبية نتاج البيئة الأوروبية، والبيئة الأوروبية هي المصدر الواقعي للوعي الأوروبي نفسه، وإذا كانت الظاهريات نظرية في الذاتية، فالذاتية هنا ذاتية محددة؛ الذاتية الأوروبية، والذاتية المشتركة أيضا ذاتية محددة، هي الذاتية الأوروبية.
| ثانيا: التأويل الحضاري1
وتساعد الظروف الحضارية التي نشأت فيها الظاهريات على صياغة التأويل الحضاري.
2
ودون الوقوع في منهج التأثير والتأثر، تعطي البيئة الحضارية من قبل صورة لهذا المخطط لبناء الوعي الأوروبي وتطوره، وتتميز هذه البيئة بسيادة الصورية الرياضية، ميراث العصور الحديثة؛ فقد كانت الرياضيات نموذج اليقين، وبسيادة مادية علم الطبيعة، وقد حشرت العلوم الإنسانية؛ علم النفس وعلم الاجتماع وعلم الأخلاق والدين، بين هذين الطرفين؛ الصورية من ناحية والمادية من ناحية أخرى. وكانت سيادة المادية قوية للغاية بحيث أنتجت السيكوفيزيقا في علم النفس، والوضعية في علم الاجتماع. وقد استطاع اكتشاف «الأنا الخالص» إعطاء العلوم الإنسانية الاستقلال لموضوعاتها ومناهجها، والتأويل الحضاري للظاهريات من بين التأويلات الأكثر نجاحا، ومع ذلك يرجع أكثر الباحثين الظاهريات إلى المشاكل الفلسفية، مثل: الأنثروبولوجيا الفلسفية، الذاتية المشتركة الترنسندنتالية ... إلخ، دون الوصول إلى بنية الوعي الأوروبي وتطوره، والتي حاولت الظاهريات الوصول إليها، بل ولامستها بالفعل، ليست أزمة العلوم الأوروبية مشكلة أنثروبولوجيا فلسفية يمكن حلها نظريا، بل حقيقة واحدة في الحالة الراهنة في الوعي الأوروبي.