ويظهر شكل الخلط بين المستويين المتميزين في الذاتية كانفراج على شكل مفتوح في الذاتية المشتركة؛ فالواقع أن منهج الإيضاح تم تطبيقه في مصادر الوعي الأوروبية، ووجد في العصور الحديثة في التعارض بين الموضوعية الفيزيقية والذاتية الترنسندنتالية،
28
ويرجع مصدر هذه الثنائية إلى النموذج السائد في علوم الطبيعة، هذه الثنائية ذاتها هي سبب عدم فهم مشكلة العقل الذي يظهر في تخصيص العلم وفي علم النفس الطبيعي، ويتلخص التاريخ «الروحي» للعصور الحديثة في هذه الدائرة المفرغة بين الموضوعية والترنسندنتالية، ويتحول الخلط من مستوى بنية الذاتية إلى قلب على مستوى تطور الذاتية المشتركة؛ أي الحضارة، ويعبر القلب في العصر الحاضر عن نفسه في صورة أزمة أو خطر أو عائق، وقد ظهرت مثل هذه الألفاظ المنبهة من قبل في الذاتية.
29
وتصبح كل ظاهرة منفصلة عن أساسها ظاهرة سطحية،
30
وقد ذكرت ألفاظ أخرى أخف مثل: عدم، فهم، نقص، رد ... إلخ من قبل، تعبر عن هذه الدرجات من الخلط في الذاتية، وأول صعوبة في النزعة الطبيعية الفيزيقية هو عدم فهم الذاتية الفاعلة أو النشطة.
31
ولفظ «سوء فهم» و«نقص» من بين الألفاظ التي تشير إلى الأزمة؛ فالنقص النظري في العلوم الخاصة يرجع إلى نقص في وضوح عقلانيتها الداخلية،
32
فهي عقلانية لا ترضي، ومن أجل إكمال هذا النقص يضاف شيء آخر؛ فالميتافيزيقا ونظرية المعرفة مكملان نظريان للعلوم الخاصة، وفي معظم الحالات تنقصنا هذه المعرفة للحقيقة.
33
وإن رد فكرة العلم إلى مجرد علم الوقائع أيضا موقف بسيط يعبر عن الخلط في التاريخ، والألفاظ المجازية مثل: «لغز» «شلل» ... إلخ أيضا ألفاظ أقل شدة؛ فمثلا تمثل العلوم اللغز الكبير للعصور الحديثة، كما أن المنطق التقليدي منطق قاتل،
34
لقد أدت النزعة النفسانية إلى الشلل، وأوقعت في الخطأ كل الفلسفة الحديثة.
35
وتظهر الدلالة الحضارية للخلط عندما يعبر عنها بألفاظ: «قلب» «انقلاب». ويقع التحول من المثال إلى الواقع، ويصبح تناقضا ومناقضة.
36
وهو أيضا «سقوط»، ويعلن عن ظاهرة «السقوط» بوضوح؛ فالنزعة النفسية سقوط من جديد للمنطق.
37
وتشير كل هذه الألفاظ، خاصة لفظ «أزمة»، إلى ظاهرة السقوط والانهيار، ويعبر عن ظاهرة السقوط مجازيا باعتباره مرضا.
38
وفي مواجهة ظاهرة الانهيار هذه تكون رسالة الظاهريات الرفع،
39
ويعبر عن هذه الرسالة دائما بألفاظ: «يرفع» «يعلو»، التي تم تحليلها سابقا في «طرق الإصلاح». أتت الظاهريات كمنهج للتقويم للقيام بانقلاب جذري في الوعي الأوروبي، التقويم في المؤلفات المنهجية، والقلب في المؤلفات الحضارية. ويتحقق التقويم بعودة الفلسفة إلى ذاتها أو بتكوين الحقيقة أو في الصيرورة التاريخية، وضد هذا القلب يستطيع شق هذا الطريق وإزاحة المعوقات عنه.
40
وكل هذه الألفاظ الدالة: القسمة، الفوضى، الفصل، الوحدة المفقودة، الانهيار، الإفقار، الفقد، الخلط، الضياع، القلب، تقتضي نهضة ثانية وبعثا وعودا إلى الذات. وأحيانا يذكر القلب أثناء التقويم والتصحيح «كل حقيقة خالصة تكشف عن دلالات تنقلب إلى حقيقة خالصة تكشف عن موضوعات».
41
و«الرد» الظاهرياتي نوع من التقويم، فله معنيان: رد الماهية إلى الواقعة كما هو الحال في النزعة الطبيعية، و«رد» الواقعة لإدراك ماهيتها كما هو الحال في الظاهريات. الرد الأول إحدى علامات أزمة الوعي الأوروبي، في حين أن الرد الظاهرياتي هو طريق للإصلاح لتحرير الروح من سيطرة المادة.
أزمة العلوم الأوروبية تاريخ رائع للفلسفة بعد تدوينها من الحاضر إلى الماضي، هو تطبيق أفقي للمنهج الظاهراتي، وظهرت غائية التاريخ بمنهج تراجعي يرى في كل مرحلة قادمة خطوة إلى الأمام بالنسبة للمرحلة السابقة، ثم يتوقف التطبيق الأفقي كي يتحول إلى عرض رأسي للمنهج الظاهرياتي نفسه في خطوطه العريضة: الرد والتكوين.