تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

20

إذن يستبعد المنهج الظاهرياتي كل النظريات المتعارضة من أجل شق طريق إلى النظرية الجديدة، ويتم تجاوز التعارض بين الواقعية والمثالية بالظاهريات، فإذا كانت الأولى خاطئة تماما فإن الثانية خاطئة نسبيا، ومع ذلك تظل الظاهريات من جانب المثالية، ويظهر منهج التطهير هذا في النظر إلى الماضي، إلى الردود المثالية. هذه الردود حقيقية، ولكن معناها خفي بل ومنقوص.

21

وهكذا يظهر الجدل الظاهرياتي في منهجه النقدي، وتتحول الميتافيزيقا وعلم النفس العام إلى أقنوم. الأولى تنسب إليه وجودا واقعيا خارج الفكر، والثاني يعزو له أيضا وجودا واقعيا في الفكر، وكلا الاسمية والنفسانية استدلالان خاطئان. الأول يرد العام إلى اللغة، والثاني يرده إلى الفكر كمضمون نفسي.

22

وينتهي النقد الترنسندنتالي إلى نظرية في البداهة، تضل النظريات الحالية في البداهة بسبب الافتراض المسبق للحقيقة المطلقة والنظرية القطعية (الدوجماطيقية) للبداهة، وتعتبرها النظرية الترنسندنتالية للبداهة كتأثير قصدي؛ بداهة التجربة الخارجية، وبداهة التجربة الداخلية، وبداهة المادة الزمانية الحالة.

23

غرض النقد ربط الظاهريات بالتاريخ؛ فقد تم نقد النظريات السابقة عن طريق التمييز بين مفهومين متشابهين وقع بينهما الخلط حتى الآن، وذلك مثل نقد التمييز بين الإدراك الداخلي والإدراك الخارجي.

24

| عاشرا: التمييز كحركة إصلاح1

للظاهريات رسالة إصلاحية، غاية منهجها سد أوجه النقص في المناهج الحالية، وبوجه خاص مناهج علم النفس،

2

كما أنها تنعى الحالة المتأخرة التي ظل فيها المنطق،

3

بل إنه حتى في فهمها للتاريخ تعطي الظاهريات لعلماء النفس المناهضين للتجريبية أغراضا إصلاحية.

4

ويظهر لفظ «إصلاح» دائما إما لإعادة تأويل النظريات الفلسفية في التاريخ أو للتعبير عن المساهمة الجديدة للظاهريات فيها، في علم النفس هناك إصلاح وإصلاحيون.

5

تدخل الظاهريات في التاريخ باعتبارها حركة إصلاحية؛ فهي في صراع ضد أوثان النزعة الطبيعية، «البحوث المنطقية» مؤلف نضالي.

6

ولمؤسس الظاهريات أيضا أعداؤه؛

7

إذ إنه يناهض النزعة النفسانية في مبادئها ونتائجها.

8

ويظهر الإصلاح في استعمال ألفاظ مثل: الصراع، النضال، النفي، الاعتراض، الاستبعاد، المقاومة، الجدل، الحجاج، النقاش، التحفظ، المراجعة الدائمة للظاهريات لنفسها بنفسها من أجل الحفاظ على صحتها.

وتظهر رسالة النضال في النوع الحجاجي للفقرات، ويذكر بالنوع الحجاجي القديم، وعلى هذا رفضت نتائج التجريبية،

9

ورفض تحول الرياضيات الخالصة إلى فرع من علم النفس.

10

لكل سؤال هناك تقريبا حجج وإجابات،

11

هناك تفنيد لكل حجة للخصم، وتفنيد لحجة مستمدة من الفكر الهندسي في نظرية الانتباه ،

12

وهناك تفنيد للشك في أعلى مستواه.

13

وحروف النفي كثيرة مثل: «لا»، «ليس»، «أبدا»، «مطلقا»، «ولا واحد» ... إلخ. تبين أن الظاهريات «فلسفة اللا» ألا كما يقول باشلار؛ إذ يعبر الحدس عن نفسه بالنفي كما هو الحال عند برجسون، هذا هو الحال في العلوم التجريبية الدقيقة، ولكن ليس في المنطق؛

14

فالإجابة على أي عملية تمثل بين شيئين متميزين هي بالضرورة نافية،

15

ويستعمل باستمرار لفظ «استبعد» للتعبير عن هذه القوة للنفي؛ إذ تستبعد الحقيقة كل إمكانية أخرى، كذلك يستبعد أن تكون القوانين المنطقية قوانين الأنشطة أو منتجات نفسية،

16

كما تظهر فلسفة «اللا» في الاعتراضات ضد التأويلات النفسية للمبدأ المنطقي،

17

كما تبدو أيضا في الرفض المطلق دون أي تردد للتوازي النفسي الفيزيقي.

18

وإن نفي المثال وإزاحته في النزعة النفسانية يتعادل مع نفي الواقع، فقط ينقص النفي الأول التمييز، في حين أن الثاني نتيجة للتمييز.

والظاهراتية حركة احتجاج، توجه اعتراضات ضد كل أشكال الاسمية، مثل: غياب تحديد وصفي للأهداف ... إلخ. وتقوم الاعتراضات على منهج التمييز؛ التمييز بين عموم الوظيفة النفسية والعموم كصورة للدلالة القائمة على معنى متميز عن العلاقة بين العام والامتداد، كما وجهت اعتراضات ضد نظرية الانتباه كقوة على التعميم قائمة على التمييز الذي يمنع من إنتاج الواقع للمثال، وهكذا فإن الانتباه الخاص للحظة معينة لا ينفي فرديته، هناك فرق بين توجيه الانتباه إلى لحظة معتمدة على الموضوع المدرك حدسيا وتوجيه الانتباه إلى الانتباه المقابل ب «النوع».

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدين · الصفحة ١٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدينص ١٣٠