28
ومعرفة الماهية مستقلة عن أي معرفة للوقائع،
29
ولا تتضمن الحقائق الخالصة الخاصة بالماهيات أي تأكيد بالنسبة للوقائع. يؤدي التمييز إلى استحالة الفصل، وتؤدي استحالة الفصل إلى الاستقلال، ويتم التمييز بين الموضوع المستقل والموضوع التابع داخل عالم الماهيات. مثلا، صور المقولات موضوعات تابعة بقدر ما تحيل إلى مقولات حوامل، في حين أن ماهيات المقولات موضوعات مستقلة بقدر ما لا تحيل إلا إلى ذاتها.
30
ومع ذلك لا يستبعد الاستقلال كل أنواع التبعية، فبين علم الواقعة وعلم الماهية هناك علاقة تبعية،
31
وإذا كان الاستقلال والتبعية متكاملين هناك أيضا موضوعات مستقلة وموضوعات تابعة، والموضوع المستقل يكون أحيانا الحامل عندما يتعلق الأمر بالفردي، وأحيانا بالصورة عندما يتعلق الأمر بالعام؛ فالاستقلال يكون إما في الفردية أو في العموم،
32
وعدم الفصل ليس فقط بين المثال والواقع المثالي، ولكن بين المكونات المختلفة التي تشكل مضمون المموضع التابع.
33
وإذا لم يكن التمييز فصلا فإن المنهج الظاهرياتي يبدو وكأنه منهج متكامل، يحاول أن يرى كل جوانب المسألة في نفس الوقت، يكتمل الأنا أفكر «الكوجيتو» في الأنا المفكر فيه «الكوجيتاتوم»، وصورة الشعور ليست إلا واجهة واحدة، ومضمون الشعور واجهة ثانية،
34
العقل والواقع واجهتان لشيء واحد،
35
ومن الضروري التعامل في نفس الوقت مع الجانب النحوي للمعطيات الحية المنطقية.
36
النظرة التكاملية في الرؤية الظاهراتية في كل تحليل؛ الواقعي والخيالي مضمون للشعور، الإدراك، والتذكر، والخيال ... إلخ معطيات للتجربة.
37
ومع ذلك عندما يتعلق الأمر بالماهية تكون مستقلة عن الوهم،
38
أما البداهات الهندسة فلا أصل لها في التجارب الخيالية،
39
ويظهر التكامل بشكل أوضح في مفهوم التضايف، العموم النظري والضرورة النظرية متضايفان،
40
وقد ذكر التكامل مباشرة ملحقا بعمومية التعبير في ميدان اللغة.
41
| ثامنا: التمييز ووحدة الوجود1
ويهدف التمييز إما إلى الفصل أو إلى التوحيد، التمييز للفصل بين الشيئين المختلطين، مثل الواقعة والماهية، والتمييز للتوحيد من أجل إعادة بناء العلاقة بين واجهتي الواقع؛ فمعنى مضمون الشعور مرتبط بالموضوع، والمضمون ليس الموضوع بل معناه، وإذا كان الجزء الأول من «بحوث منطقية» «مقدمة في المنطق الخالص» والثاني «بحث في الظاهريات ونظرية المعرفة» للدلالة على ثنائية العلمين، فإن الجزء الثالث «عناصر إنارة ظاهراتية للمعرفة» بحيث تختفي الثنائية.
وتظهر الرؤية التوحيدية في مد التمييزات النفسية؛ فالواقع أن كل الجهاز الظاهراتي الذي تم التوصل إليه تم مده إلى أكثر الميادين بعدا في القصدية، الدائرة العليا للشعور، وميدان الحكم أو الميدان الوجداني والرغبة،
2
وقد امتد مفهوم الحكم إلى كل أشكال الأفعال التركيبية اللغوية بعد تحليل موضوعات الحكم من حيث هي كذلك أولا وأشكال التراكيب اللغوية ثانيا.
3
ويبين امتداد مفهوم المعنى إلى مجموع ميدان الوضع، وامتداد المنطق الصوري من أجل تكوين مبحث للقيم عملي وصوري وحدة الرؤية،
4
ويتم الامتداد أيضا بتطبيق المبادئ التي تم اكتشافها على التو في ميادين أخرى باستثناء أو بدون استثناء، وقد استنبطت قوانين تراتب البداهات من المنطق الاستنباطي ثم تطبيقه على منطق الحقيقة، وهو المنطق الاستقرائي، وتنطبق أيضا على الأحكام التي لها معنى من منظور المضمون.
5
والتمييز عن طريق القسمة الثنائية أو الثلاثية له غرض واحد هو التوحيد؛ فبعد القسمة بين اللحظات الواقعية واللحظات غير الواقعية للمعطى الحي هناك إدراك للتيار التوحيدي للمعطى الحي باعتباره فكرة، القصدية نفسها رؤية توحيدية تضع الموضوع في الذات،
6
وفضلا عن ذلك، المصالحة وعدم المصالحة كعلاقات مثالية بين المضامين على وجه العموم ألفاظ نسبية؛ لأن الصراع نفسه يمكن أن يؤسس حالة وحدة مثل عدم المصالحة بين التصورات.