10
الظاهريات علم نظري مادي، هي رياضيات للماهيات؛ فإذا كانت الفيزيقا تبحث عن القوانين التجريبية، وإذا كانت الهندسة تبحث التحديد التام بالمصادرات، فالظاهريات وصف وتحديد دقيق للمعطيات الحية، ينقص العلوم الوصفية تدخل الحدس، وتقوم العلوم الدقيقة على تصورات مثالية. والظاهريات نظرية وصفية لماهية المعطيات الحية الخالصة. وتبقي على الفردي والنظري معا؛ ومن ثم تستبعد أي نظرية استنباطية، الظاهريات رؤية مباشرة للماهية.
ويؤدي التمييز كتحليل مزدوج أو ثلاثي الاتجاه إلى تعدد المستويات؛ فالواقع أن التمييز ليس فقط بين شيئين متعارضين أو متناقضين أو متكاملين، بل أيضا في نفس الشيء لبيان درجاته. وإذا أدى التمييز الذي يبين التعارض إلى تصور ثنائي للعالم، فإن التمييز الذي يدل على درجات الشيء ينتهي إلى تصور تراتبي للعالم، وقد تم التمييز بين التماثل البسيط والملء ليدل على درجات الملء، فهناك حلقات متتابعة للملء ، وهناك أيضا تدرج في الملء،
11
ويتحقق هذا التدرج متشعبا في خطين متميزين؛ المضمون الحدسي والمضمون الإشاري، الحدسي الخالص والدلالة الخالصة ... إلخ. وللمعرفة كمركب للملء درجاتها التي تظهر في التكوين.
12
وقد أدى منهج التمييز إلى تصور تراتبي للعالم. في العقل هناك درجات للعموم،
13
وفي هذا التصور التراتبي، كل درجة عليا أكثر صورية وأقل مادية من الدرجة السفلى. مثلا تطابق المنطقة، وهو نوع مادي رفيع، علما نظريا يختص بالمنطقة أو أنطولوجيا تختص بها.
14
هناك سلم للعموم تتولد فيه الأجناس والأنواع، يوجد التراتب في درجات المثال وليس بين المثال والواقع، «لا يمكن تصور تراتب يربط بين المثال والواقع»، ويوجد التراتب أيضا داخل الواقع كخط ماء رفيع يرد المنطق إلى ما هو أقل منه.
15
ويوجد التراتب أيضا في البداهة؛ فالبداهة الواضحة بذاتها بداهة التجربة، ونشوء معنى الحكم خيط يقود من أجل تنظيم تراتب البداهات، وبداهة التجربة السابقة على الحمل المنطقي هي الموضوع الأول في ذاته للنظرية الترنسندنتالية للحكم، ويدخل منهج المسار هنا ليشير إلى الانتقال إلى البداهات في المستويات العليا، بل إن نواة المعنى تعتمد على بداهة العام العياني أو العام الصوري، ترتبط البداهة بالتمييز، ويمكن إرجاع كل حكم إلى بداهة التمييز، فتظهر إمكانية بداهة التمييز في التمييز بين الحكم ومضمونه؛ إذ يفترض الوجود المثالي للحكم الوجود المثالي للمضمون، والوجود المثالي للمضمون مرتبط بشروط وحدة التجربة الممكنة؛ ومن ثم ترتبط البداهة بالوجود المثالي.
16
ليست التجربة الذاتية المشتركة ذات طابع معرفي فحسب، بل أيضا تكون جماعة إنسانية تمثل أول صورة للموضوعية، وهي طبيعة التجربة المشتركة، ولهذه الجماعة أيضا مستويات عديدة، عليا ودنيا، وهو نفس التصور التراتبي للعالم الذي ظهر في الذاتية المعرفية يعاود للظهور في الجماعة الخلقية.
17
لذلك للتمييز أحيانا غرض انتقائي، إذا لم تكن الأشياء كلها متشابهة فالبعض يتميز عن البعض الآخر؛ ومن ثم لا تستطيع جميع أنواع الأفعال أن تملأ وظيفة حوامل الدلالة ولكن بعضها فحسب.
18
لا يتضمن كل دال فعلا معرفيا،
19
ويساعد التمييز على إظهار مستويات الوجود خاصة المستويات المتمايزة.
ومستويات الوجود ليست متجاورة، واحدة فوق الأخرى، بل مرتبطة فيما بينها بممر داخلي؛ فالواقع أنه بالإضافة إلى منهج التمييز هناك منهج المسار أو الانتقال أو المرور، وهو ذو حركة مزدوجة؛ من المادي إلى الصوري، ومن الصوري إلى الترنسندنتالي، ويظل المرور إلى العام أيضا مرورا ماديا في حين أن المرور إلى الصوري هو أعلى درجة في الصورية.
20
وفي المرور تظهر بعض الحركية، وفي الملء تزداد الحركية درجة، وقد سمح التمييز بين المملوء والفارغ لهذه الحركية بالامتلاء.