42
يهدف التمييز إذن المتكامل إلى إقامة الوحدة بين الحقيقة والواقع، بين البداهة والعلم، وتبرز تنوعات البداهة المطلب الفلسفي لبداهة قطعية وأولية في ذاتها بالنسبة لبداهة وجود العالم وهي ليست قطعية، وتفتح البداهة القطعية ل «الأنا أعرف» أفقا جديدا، هو أفق الأنا-كوجيتو كذاتية ترنسندنتالية طبقا للتمييز بين الأنا النفسي والأنا الترنسندنتالي.
43
ينقص الكوجيتو إذن التوجه الترنسندنتالي، وبالرغم من التمييز بين التأمل الطبيعي والتأمل الترنسندنتالي، يبدأ كلاهما بالأنا-كوجيتو.
| سادسا: التمييز ومستويات الوجود1
ولا يتعلق التمييز فقط بنظرية المعرفة بل أيضا بنظرية الوجود، وليس له فقط أهمية معرفية بل أيضا أهمية أنطولوجية، ويشير إلى مستويات الوجود الذي يتشعب إلى اتجاهين أو ثلاثة أو أكثر؛ مما يؤدي إلى تصور معين لتراتب الوجود، وبين مستوى وآخر هناك حركة انتقال «من وإلى».
صحيح أن التمييز يقدم باستمرار في صورة معنيين في شيء مختلط، هناك معنى مزدوج في الحكم،
2
وتلعب فكرة المعنى المزدوج ذي الاتجاهين دورا كبيرا في كل التوضيحات، هناك أيضا معنى مزدوج في الرياضيات؛ الرياضيات الخالصة المنطقية بالمعنى الدقيق، والرياضيات الخالصة المتجاوزة للمنطق. الأولى عند الظاهراتيين، والثانية عند الرياضيين. ونتيجة لذلك يحتاج التمييز إلى إيضاح، وينطبق التحليل المزدوج أيضا على القصدية كاسترجاع وتكوين لتيار الشعور.
3
وعلاوة على ذلك لا يحدث التمييز فقط بين مستويين بل بين ثلاثة، وهذه هي حالة تعدد معنى لفظ الشعور الذي يعني ثلاثة أشياء؛ الأول الأنا التجريبي وهو المستوى الفيزيولوجي، والثاني الإدراك الداخلي وهو المستوى النفسي، والثالث المعطى الحي القصدي وهو المستوى الظاهراتي. في المستوى الأول الشعور وحدة ظاهراتية واقعية لمعطيات الذات الحية، والتصور الظاهرياتي للمعطى الحي مختلف عن التصور الشعبي الذي يقوم على أن العلاقة بين المضمون الحي والشعور الذي يحياه ليس نمط علاقة خاصة. طبقا للتصور الظاهرياتي، المعطى الحي هو نمط خاص للحياة، والمستوى الثاني يجعل الشعور مجرد إدراك داخلي؛ ومن ثم فالاختلاف بين المستوى الأول والثاني مجرد اختلاف في الدرجة وليس اختلافا في النوع، المستوى الثالث وحده يصنع الشعور كذات خالصة وكوعي بالذات.
4
ويبين هذا التمييز الثلاثي المنهج الجدلي الذي يضع شيئين يعتبران حتى الآن متميزين على نفس المستوى من أجل شق طريق إلى حل ثالث. والتقسيم الثلاثي شائع عندما يوضع السؤال في تمامه كنقطة بداية، ودلالة لفظ «لوجوس» ثلاثية: التكلم، والتفكير، والشيء المفكر فيه.
5
لذلك يقسم المنهج الظاهرياتي أحيانا تقسيما ثلاثيا، وهذه هي حالة الآفاق الثلاثة للمعطى الحي: الاسترجاع، والتوتر، والاستباق.
6
وهي أيضا حالة التمييزات الظاهراتية بين الظاهرة الفيزيقية للتعبير، والفعل الواهب للمعنى، والفعل المالئ للمعنى.
7
وهي أيضا حالة التمييز بين المضمون كمعنى مالئ، وكمعنى أو دلالة خالصة بسيطة،
8
وقد يقوم التمييز مرتين بحيث لا يتم بين مستويين فقط بل بين ثلاثة مستويات، طرفان ووسط متناسب، وأحيانا يكون هذا الوسط من الجانب الصوري، وأحيانا أخرى من جانب الحامل المادي، ويؤدي التمييز بين الموضوع التابع والموضوع المستقل إلى تمييز مشابه بين المجرد والعياني، الأول هو الموضوع المستقل، والثاني التابع. والعياني يشار إليه، «هذا هو» المادي، وهو الفرد. هناك إذن ثلاثة ألفاظ: المجرد، والعياني، والفردي. المجرد والعياني فرديات نظرية، في حين أن العياني والفردي حوامل.
9
والوسط إحدى وسائل الإقلال من الخلط، وبين الصوري والمادي هناك المعطى الحي في الوسط، والوسط هو المستوى الذي توجد فيه الظاهريات نفسها كعلم وصفي بين العلوم العيانية من ناحية والعلوم المجردة من ناحية أخرى أو بين العلوم المادية والعلوم الصورية.