8
مهمة التمييز هنا إظهار الفرق الجذري بين الأشياء، وقد برز الفرق بين الموضوعات المستقلة والموضوعات التابعة بفضل التمييز،
9
وتوجد الثنائية بين التابع والمستقل في الموضوعات وفي الأفكار وفي المضامين، بل إن مفهوم الاستقلال نفسه موضوع يخضع التمييز بين الاستقلال والتبعية النسبية، يشير لفظ التمييز إلى الفرق بين الشيء وأشياء أخرى متميزة عن الأول مثل الفرق بين القصد والطرق المختلفة للإدراك.
10
وأخيرا فإن التمييز كاختلاف أو فرق في الدرجة نوع من التمييز عن طريق التكامل، يتم أحيانا دون حرف العطف «و» مثل المنطق الصوري الموضوعي، أو مثل «المنطق الصوري والمنطق الترنسندنتالي».
11
وقد تم إجراء هذا النوع من التمييز لبيان فعلين من نفس المستوى، الإثبات والنفي فعلان عقليان للشعور لهما طرفاهما في مضمون الشعور،
12
ويتم التمييز بين الصور الجماعية والصور المنفصلة كنمطين في العلاقات اللغوية،
13
وقد يتم التمييز أحيانا داخل نفس الفعل للتمييز بين سمتين خاصيتين للأفعال المساعدة، وفي فعل التغيير هناك التغيير المتخيل الذي يمكن تضعيفه والتغيير المحايد الذي لا يمكن تضعيفه.
14
ويبرز التمييز شيئين؛ الأول خاصية للثاني، البحوث التكوينية بحوث قبلية؛ فالشيئان المتمايزان كلاهما مثل الموضوع والمحمول.
15
يعيد التمييز بناء واقع مركب من واجهتين؛ المادة الحسية والصورة القصدية،
16
مضمون الشعور وصورة الشعور، المركبات الواقعية والمركبات القصدية.
17
ويضع التمييز شيئين متكاملين، كل منهما في مواجهة الآخر: اللغة باعتبارها تعبيرا عن الفكر، والفكر باعتباره تجربة معيشة ومكونا للمعنى،
18
ويشبه ذلك التمييز بين الخيال والتذكر في درجات التكوين.
19
وهكذا فالتمييز لا يتم فقط من أجل استبعاد طرف والإبقاء على الطرف الآخر، بل من أجل بيان نمطين للعطاء الأصلي، ومن نفس النوع التمييز بين البداهة المطابقة والبداهة غير المطابقة، بين البداهة والرؤية العقلية، بين البداهة الأصلية والبداهة الخالصة، وبين التوكيدي والقطعي.
20
ومرة أخرى لم يتم التمييز بين قصد الدلالة وملء الدلالة من أجل نفي الأولى وإثبات الثانية أو العكس، بل من أجل تكاملهما معا؛ فالقصد دون ملئه فارغ.
21
وقد سمح التمييز بين الفارغ والمملوء برؤية التنوعات الأساسية للمقاصد المموضعة بواسطة الفروق بين مركبات الملء،
22
وهو التمييز الذي يسمح أيضا برؤية درجات المعرفة،
23
ويعني الملء أيضا التوافق أو عدم التوافق من أجل الوصول إلى مثل المطابقة بين البداهة والحقيقة،
24
ويسري منهج التمييز في هذا المسار كله من البداية إلى النهاية؛ ومن ثم فإن غرض التمييز من أجل التكامل هو إعطاء تحليل شامل للموضوع؛ فهناك قضايا موضوعية أحادية وقضايا موضوعية تركيبية.
25
ويقوم التمييز أحيانا اعتمادا على شهادة الحدس، وهذه حالة التمييز بين التمثيل الإدراكي والإدراك؛ فكل إدراك ليس تمثيلا إدراكيا،
26
وبتعبير آخر يقوم كل تمييز على تصور؛ إذ يقوم التمييز بين الوحدة السكونية والوحدة الحركية بين الفكر الذي يعبر عن نفسه والحدس المعبر عنه على تصور حركة الملء، وللقصد أيضا سمات مختلفة في وحدة الملء وخارجها،
27
ويعبر التصور عن نفسه مرات عديدة في تصورات مشابهة؛ إذ يقدم تصور الحركة تصورات الحركية والفاعلية أو النشاط، وتعود الثنائية بين الإيجابي والسلبي للظهور في التكوين الظاهرياتي للحكم بتحليل فعل الحكم في النشاط الأصلي وتغيراته الثانوية،
28
يولد فعل الحكم الإيجابي الأحكام ذاتها بالتعارض مع تغيراته الثانوية، وتتنافس القصدية السكونية والقصدية النشوئية في تحليل الأنماط الأصلية والأنماط غير الأصلية للمعطى، ويعاود التمييز والخلط إلى الظهور في التحليل، ويتفوق الخلط الأسمى المرتبط باسترجاع ذكريات الماضي على خلط آخر مرتبط بالإدراك الذاتي، ثم تأتي البداهة، وهي شريك التمييز، للمساعدة؛ إذ توجد بالفعل في استدعاء الماضي، والتذكر بداهة ثانية، وقد أنتج نشاط الشعور مفهوم «الحدس المعطي أو الواهب»، كما تقدم الظاهريات ضد الحدس السلبي للمادة الحسية حدسا معطيا للمعنى الأصلي.