28
ويضع ظهور التجربة المشتركة مسألة الطبيعة الحية بوضوح أكثر في مواجهة الطبيعة المادية؛ لأن التجربة الذاتية تخاطر باعتمادها على البدن وهو على حافة الطبيعة المادية والطبيعة الحية، لم تعد الذات ملحقة بالمادة في البدن، بل بالإنسان في تصور «الذات-الإنسان»، والذي يسمح فجأة بظهور «الأنا الخالص»،
29
هذا الأنا الخالص هو الأنا القطب، ويبين تصور «الأنا الخالص» مرة أخرى ثنائية بين شيئين، الواحد أمام الآخر. وتظهر في استقطاب الفعل الذي يوجد بين الذات وموضوعه، وينقسم الأنا الخالص أيضا إلى شعور يقظ وشعور خامل، أما الأنا الشخص فإنه لا يختفي لأنه جزء لا يتجزأ، وفي دائرة الحلول يحدث تكوين وحدات الوقائع في الأنا الخالص مع الأفكار التي توجد مترسبة فيها.
30
الذات إذن نفسية وواقعية في نفس الوقت، ويحلل الشيء في اتجاهين، ويتحول إلى اختلاف جذري بين الواقع المادي والواقع الحيوي؛ وبالتالي إلى ضرورة الفصل بين الاتجاه الشخصاني والاتجاه الطبيعي.
31
وبعد هذا الفصل الجذري يتكون الواقع النفسي وحده من خلال البدن؛ أي تكوين الإنسان في الطبيعة؛ فالبدن حامل لإحساسات مكانية، يتميز فيها ميدان المرئي والملموس، وهو في نفس الوقت آلة للإرادة، وحامل حركة حرة، وما إن يحدث التحليل المزدوج يتبع آخر ليعين الواقع التراتبي للارتفاع إلى أعلى درجة من المثالية؛ فالبدن له دلالة على تكوين الأشياء العليا، وبالرغم من محلية الإحساسات في البدن فإن البدن يتسم بطابع اللاشيئية، يتكون البدن كواقع مادي على نقيض الشيء المادي، وهو مركز للتوجيه، وتعدد مظاهره خاصيته فيه، ودون أن يرتبط بالطبيعة كعضو في علاقات علية يتحدد البدن في التكوين الأنا وحدي.
32
ويتوازن تكوين الواقع النفسي من خلال البدن مع تكوينه للمرة الثانية في الاستبطان، هو البدن نفسه، مرة في الإدراك الخارجي، ومرة في الإدراك الداخلي، مرة في نمط الحضور الأصلي للأشياء، ومرة أخرى في نمط حضوره الذاتي. وما إن يعمل الاستبطان في تكوين الطبيعة، وما إن يدخل عالم الروح في التكوين، يشتد التعارض بين العالم الطبيعي والعالم الشخصاني، ومع ذلك النفسي افتراض مسبق في الاتجاه الطبيعي بسبب محليته وزمانيته، ومع ذلك يحفظ التمييز بين الطبيعي والفيزيقي النفسي من دخوله في الميدان الفيزيقي؛ لأن النفسي هو الشخص نفسه في مركز العالم، ومرتبط بمجموعة من الأشخاص.
33
ويتم التمييز كتوليد، توليد شيء من شيء، والشيء المتولد في مستوى أعلى من الشيء المولد؛ ومن ثم يتولد الباعث من عالم الروح باعتباره قانونه الأساسي، والأنا فحص ذاتي، ويتحرك الباعث على مستويات عدة، في القمة باعث الفعل، وفي الوسط باعث التجربة وباعث الارتباط، وفي الأدنى الباعث في الطبيعة الذي يقترب من العلية. للباعث إذن جانبه من صورة الشعور، وجانب آخر من مضمون الشعور، وبالإضافة إلى هذا التراتب الرأسي، يعمل الباعث أيضا على المستوى الأفقي، واستبطان الأشخاص من الآخرين فهم لبواعثهم، ويسمح هذا المسار المعروف من التمييز إلى التراتب إلى الوحدة بإعطاء البدن والروح وحدة معقولة ومتصورة في فكرة «الموضوع الروحي».
34
ويصبح الأنا الخالص والأنا الشخصي موضوعين لتأمل إدراك الذات، وتستطيع الذات الشخصية أن تتكون أيضا قبل كل تأمل في الوعي بوجود الذات، الأنا موضوع ملكات وأفعال عقلية «كأنا حر»، بل إنه في تحليل الفعل يظهر الأنا التراتبي في «الأنا أقدر» كإمكانية عملية ووعي أصلي بالقدرة، وباعث «الأنا أقدر» لمعرفة الذات في إدراك الذات لذاتها وفهمها لذاتها، ويحافظ على حرية الشخص في مواجهة الآثار الخارجية، وتتوالى المعرفة والفعل لتقديم تحليل مزدوج لجهة فهم الشخص في أنماط عامة وأنماط فردية.