17
أما العناوين، مثل: «الماهيات ومعرفة الماهيات» و«العقل والواقع»، فهي وحدها التي تكون المقاربات المباشرة للظاهريات كعلم ومنهج.
18
ولم يبرز موضوع «المنهج الظاهرياتي» كثيرا، بل تم التعرض له مرة واحدة في «مناهج الظاهريات ومشاكلها»؛
19
ومن ثم فالمنهج عدة مناهج، والمنهج والمشكلة لا ينفصلان، ولا تتجاوز «الاعتبارات الأولية للمنهج» «الاعتبارات الأولية» كما يدل العنوان.
20
وإذا ما ترك لفظ «المشاكل» جانبا وضمت «المناهج» في منهج واحد، يبدو المنهج الظاهرياتي كبنية عامة للوعي الخالص، صورة الشعور ومضمون الشعور في تحليل صوري مادي،
21
ويبدو بوضوح أن منهج الإيضاح هو الوحيد المنهج بالمعنى الدقيق، بل يطبق في المعطى كي يعرف مدى قربه أو ابتعاده عنه. يقترب المعطى عندما يتم إدراكه بحدس واضح، ويكون القرب كاملا عندما يدرك المعطى في صفاته، على وجه التمام والكمال، وكما هو عليه، ويكون بعيدا عندما لا يتم إدراكه حدسيا، وفي هذه الحالة يكون غامضا، والدرجات الصحيحة للوضوح هي درجات كيفية في النصاعة، والدرجات الخاطئة هي درجات الكثافة الكمية، ويتضمن الإيضاح نفسه حركات؛ واحدة تجعله حدسيا، وأخرى تزيد من وضوح عناصره المدركة حدسيا من قبل. الإيضاح مسار يتقدم باطراد، ينزع الأغلفة عن المعطيات المتوسطة مفككا إياها في سلاسل متعددة من التمثلات، وللإدراك دوره في منهج الإيضاح كإدراك أصلي واهب للمعاني، والخيال عنصر حيوي في الظاهريات كما هو الحال في كل العلوم النظرية،
22
وهكذا يبدو «منهج الإيضاح» مسبقا على أنه نظرية في البداهة.
وينطبق «منهج الإيضاح» على اللغة، ولا تحتاج التعبيرات الصادقة المطابقة للمعطيات الواضحة إلى إيضاح، الألفاظ المتشابهة وحدها هي التي تحتاج إلى إيضاح،
23
ويتأكد من جديد التمييز بين الإيضاح والتوضيح؛ الأول للغة، والثاني للتجارب، في هذه الميادين.
24
ومنهج التوضيح، مثل المنطوق، عنصر حيوي في العلم،
25
وهو بالضرورة منهج تمييز في المعرفة الغامضة، ويتكون أولا من نقل كل الأفعال المنطقية التي ما زالت غامضة إلى نمط الواقع الأصلي التلقائي وفي تحويل على المستوى الضمني اللاحي إلى حي، واللاحدسي إلى حدسي.
26
وهكذا تقدم الأجزاء الثلاثة لمجموعة «الأفكار» المنهج الظاهرياتي كمنهج للإيضاح يقوم على عمليات للتمييز.
وبالإضافة إلى هذه المجموعة يظهر لفظ «منهج» مباشرة كتحليل نظري للتجارب، كما يظهر لفظ «إيضاح» ومشتقاته «توضيح» خاصة «تفسيري» و«شرح» أيضا كتحليل نظري للتجارب، يقوم على التمييز دون أن يطلق على نفسه لفظ «منهج» بالمعنى الدقيق. وهذا يدل على أنه حتى في مجموع الأعمال الظاهراتية، المنهج الظاهرياتي هو أساسا منهج للإيضاح، بالرغم من التمييز بين هذين اللفظين؛ «منهج» و«إيضاح».
وتبين كل استعمالات لفظ «منهج» معنى التمييز؛ إذ يظهر لفظ «منهج» من وقت إلى آخر أثناء معركة الظاهريات ضد النزعة النفسانية؛ ومن ثم يتم التحقق من صدق الإجراءات المنهجية في العلوم. المناهج اللوغارتمية والمناهج الآلية إجراءات منهجية للحصول على أحكام تجريبية،
27
ومن المعروف أن معركة الظاهريات ضد النزعة النفسانية تقوم على خلط هذه الأخيرة بين مستويين متمايزين تماما، واستعمال لفظ «منهج» للإشارة إلى هذه المعركة يدل على دوره كمنهج للتمييز. وللمنهج الظاهرياتي مبادئه التي تتركز حول التحليل الترنسندنتالي باعتباره تحليلا نظريا،
28
ويبدأ التحليل النظري ذاته بتمييزات أساسية، كما يظهر لفظ «منهج» على استحياء من وقت إلى آخر مثلا: منهج توحيد التكوين الذي يقوم به الشعور في الدلالة الفلسفية الشاملة،
29
ويتم التكوين نفسه بإجراءات تمييز، وأيضا يشير استعمال لفظ «منهج» إلى «التكوين» و«الرد» في نفس الوقت. وعندما يقع المرئي والمفكر فيه تحت «الرد» الظاهرياتي الأكثر إحكاما، فإنهما يكشفان عن سماتهما الخاصة، وهذا هو جوهر منهج فلسفي خاص بقدر ما ينتمي هذا المنهج أساسا إلى نقد المعرفة ونقد العقل بوجه عام.