بدأ الخطان الناتجان عن ثنائية العصور الحديثة في الالتقاء على أعتاب العصر الحاضر؛ فقد حدث إصلاح نفسي لشرح خالص للشعور من حيث هو كذلك، وبوجه خاص للمسألة الشاملة للقصدية،
504
ويتكون هذا الإصلاح من العودة إلى الكوجيتو مع تجنب نتائجه الوخيمة مع التخلص من كل الأحكام المسبقة الطبيعية، وقام علم النفس الظاهرياتي بالرد الظاهرياتي ليسمح للقصدية بالظهور للحصول على مستويات للوصف النفسي ولتكوين المشاهد المنصف؛ ومن ثم كان للتجريد النفسي مشاكله بل وتناقضاته بالتأكيد على وجود موضوعات واقعية للقصدية،
505
ويوجد خطر آخر هو سوء فهم شمولية علم النفس الظاهرياتي.
506
ومع ذلك، تؤدي الصلة بين علم النفس الظاهرياتي والظاهريات الترنسندنتالية إلى الدخول مباشرة إلى المعرفة الخالصة للذات؛ وبالتالي استبعاد النموذج الموضوعي لعلم النفس إلى الأبد.
507
وبتعبير آخر، وبعد الفلسفة النقدية، يتلخص تاريخ الفلسفة في الصراع بين الموضوعية الفيزيقية والباعث الترنسندنتالي اللذين اختلطا دائما،
508
واستمر التطور دائما في الذاتية الترنسندنتالية والتجريبية، وكان الفصل بين الفلسفة الترنسندنتالية وعلم النفس قاتلا. وبالرغم من الاختلاف الجذري بينهما، توجد أيضا مؤاخاة قوية بينهما، ميدان علم النفس هو القرارات؛ فالواقع أن علم النفس لم ينجح حتى الآن في بلورة مصادرات نظرية،
509
وتستطيع الفلسفة الترنسندنتالية أن تمد إليه يد العون فيما يتعلق بالتجارب الداخلية، وهذا يتطلب نقل علم النفس إلى مستوى الفلسفة الترنسندنتالية، وبعد الرد الظاهرياتي، يصبح علم النفس علم التيار الحي للشعور.
وأخيرا فشل علم النفس بسبب الافتراضات المسبقة الثنائية والفيزيقية،
510
وظل منقسما بين فكرة علم موضوعي فلسفي وطريق التجريبية الخاطئ،
511
وتخاطر كل محاولة للتوحيد بين الاتجاهين بالوقوع في السيكوفيزيقا أو في علم نفس التجربة الباطنية، وكل تسوية في الاتجاه بين النفس والبدن كواقعتين طبيعيتين فإنها تشكك في الاختلاف الجذري فيما يتعلق بالزمانية والعلية والتفرد بين الشيء الطبيعي والنفسي، وتصور التجربة الخارجية والتجربة الداخلية مشكوك فيه، ولم تؤخذ تجربة «البدن الشيء» كتجربة للذاتي الخالص حتى الآن كموضوع لعلم النفس، وعلى أساس هذا التوازي، توجد الثنائية «الديكارتية» واضعة فكرة علم وصفي وحيد ومنير تجد مبرراتها في التعميم الصوري.
512
ويوجد أصل التجريبية في حياة عالم النفس خاصة عالم النفس الذي يسير في طريق خاطئ ومزيف،
513
فمثلا لعالم التجربة العام نمطه في المنطقة وتجريده الشامل الممكن الذي تكون الطبيعة متضايفة معه،
514
وفي التجريد الذي يقوم على التجربة، توجد أيضا ثنائية بين التجربة الداخلية والتجربة الخارجية، ورد الأولى إلى الثانية،
515
وهكذا فإن الرؤية الثنائية للعالم عند عالم النفس لها ما يقابلها في الرؤية التوحيدية عند الظاهراتي، وقد أدت النزعات الطبيعية والثنائية والسيكوفيزيقية إلى التمييز بين علوم الطبيعة وعلوم الروح.
516
ومن أجل القضاء على هذا الخلط في العلوم الإنسانية، تقدم الظاهريات منهجها الذي يبدأ بتمييزات أساسية.
517
والفيزيقا الحديثة مقاربة جديدة لتحويل الطبيعة إلى مثال،
518
ومع ذلك تترك المكان والزمان كحامل للعالم الحي واضعة الزمان داخل النسق الفيزيقي، الظاهريات وحدها هي التي تأتي أخيرا لإكمال مشروع النهضة، واضعة مشكلة المعطى الحي، والواقع أن المعطى الحي مشكلة جزئية في مشكلة عامة وهي قضية العلم الموضوعي.
519
ومع ذلك، هناك فرق بين العلم الموضوعي بالمعنى الدقيق والمعنى العام، يتعامل الثاني مع ما قبل العلم للأول؛ لذلك للتجربة الذاتية فائدة كبيرة لهذا العلم الموضوعي، لعلم ما قبل العلم.