477
وهكذا تعرض الظاهريات المنهج الجدلي وكأنه هو المشروع الذي تريد تحقيقه، وبسبب هذا الطابع الجدلي وربما الأسطوري لم تجرؤ أن تواجه المثالية المطلقة كما واجهت الكوجيتو والمثالية النقدية؛ فالواقع أن المثالية المطلقة تنكر قانون التناقض، ومنطقها ليس منطقا معياريا،
478
هو نسق فلسفي يضم فلسفة الطبيعة، ومع ذلك طبق المنهج الجدلي للفكر الخالص والمستنبط من المثالية المطلقة في المنطق، ولا يتطلب أكثر من أن يكون آلة جديدة وسامية للمعرفة الإنسانية،
479
ومن أجل الحصول على شيء من العقل في المثالية المطلقة يجب أن يكون الإنسان مفضلا عند الله،
480
ومع ذلك وصفت «بحوث منطقية» بأنها أقل خصوبة من نسق المنطق الاستقرائي الاستنباطي،
481
والنقد الذي وجهه مؤلفه إلى «العلم الشامل» و«الحساب العقلي» نقد سطحي.
482
وفي المنهج الجدلي، الرؤية التأملية، «الرؤية في النور» ضرورية لإقامة ميتافيزيقا أو أنطولوجيا،
483
ويقع كل نسق ميتافيزيقي في الاشتباه بين تصور العالم والحكمة الشاملة وخلط المقاصد الحقيقية لنظرية العلم،
484
وتختلط الفلسفة والرياضيات والعلم الخاص، تصبح الفلسفة دون افتراضات مسبقة بقدر ما يعطي الفكر موضوعه.
485
المثالية المطلقة إذن نوع من الأنا وحدية، والرياضيات استنباطية، وضروري أن تحيل فلسفة الطبيعة إمكانية الطبيعة، أي مجموع تجارب العالم، إلى المبادئ. وتتشابه الرياضيات والفلسفة تشابها كاملا في طريقة رؤية نوع المعرفة، والمنهج الحقيقي للفلسفة منهج برهاني،
486
والعلاقة بين العلم التأملي والعلوم الأخرى علاقة متبادلة بين التمثل والأفكار في العلوم التجريبية وبين الأفكار والتمثل في الفلسفة،
487
كانت الظاهريات تستطيع أن تنظم هذه العلاقة لو أنها كانت أكثر صبرا في مواجهتها مع الفلسفة الرومانسية، ويستمر مشروع النهضة مع مساهمة جديدة يظهر فيما بعد في فلسفة الوجود.
وبالإضافة إلى نظرية العلم والمنهج الجدلي، الأول حصيلة مثالية الأنا، والثاني نتاج المثالية المطلقة، تقوم فلسفة الهوية أيضا على رؤية عقلية؛
488
إذ تسكن فينا قوى سرية رائعة، وكل تغيير في الزمان علاقة خارج ذاتيتنا، وكل ما يأتي من الخارج ينكشف ثم يعود من جديد إلى الداخل للحفاظ على الخالد كرؤية فينا، هذه الرؤية هي تجربتنا الداخلية الوحيدة التي يعتمد عليها كل شيء آخر، هي منبع كل معرفة وكل اعتقاد في عالم يفوق الحس،
489
والحرية افتراض مسبق لها، وتتميز عن كل حدس حسي بقدر ما يتحقق هذا الحدس على العموم بالحرية، وهي معرفة خارج الزمان، فيها يختفي الزمان والديمومة. نحن لسنا في الزمان ولكن الخالد فينا، وهي قوة خالقة. الحدس العقلي معرفة تنتج موضوعا، قوة نوع من أفعال الروح، ينتج ويدرك إدراكا حدسيا، ومن هذا العرض الموجز تستنتج الظاهريات بطريقتها نظرية في العلم، وتستأنف مشروع النهضة.
ويرجع عدم فهم الفلسفة إلى نقص في آلات فهمها؛ إذ تنشأ الفلسفة من الطبيعة، وتقدم إلى الإنسان على أنها هبة إلهية، وهي تقوم على أساس مطلق كشرط لها؛ كي تصبح فلسفة بلا افتراضات مسبقة، نقطة البداية للمطلق توجد في المثالية الألمانية ولكن المطلق ليس موضوعا للتفكير، له سمة قبلية، نسق المثالية الألمانية مساو لنسق مجموع المعرفة،
490
ويستمر هذا المشروع نفسه في الظاهريات وعلى نحو خفي حول المنبع المطلق، وقد ذكر تحديد الفلسفة كعلم مطلق أو علم المطلق مع تعريفات أخرى تتبناها الظاهريات عن طيب خاطر وترتبط بها.
491
ولا تنتمي المثالية المطلقة للهوية إلى نشاط الفلاسفة بل إلى إنتاج ما يفوق الفرد في الإنسان،
492
وقد ماتت الميتافيزيقا القبلية إلى الأبد ولن تبعث من جديد، وهو برهان لا يمكن دحضه من أجل النقد التاريخي للفلسفة، وتجد الظاهريات هذا المصدر للمعرفة المطلقة في الحلول؛ أي في الشعور.