واستؤنف البحث عن فلسفة جذرية بعد الفلسفة النقدية، ولكن سادتها الأحكام المسبقة، ووقعت في الأساطير الحالة أو في أبنية قوية لغائيات حالة دون أي أساس وضعي،
465
ومع ذلك تناولت مثالية الأنا المطلق بعض الموضوعات الظاهراتية مثل: الرؤية العقلية، الرؤية الداخلية لمادة الفكرة خاصة أفعال فكر الذات نفسها، وتأتي هذه الرؤى العقلية من حرية الإرادة، كانت الحرية إيحاء داخليا، لم تكن قدرة إنسانية عامة بل توجد فقط عند بعض الأفراد كقوى لرؤى داخلية، وقدمت نظرية المعرفة موضوع حياة وفعل يومي بمعرفة؛ وبالتالي يؤدي إلى فلسفة.
466
كان للفلسفة الرومانسية طابع شامل، وكانت تدعي قدرتها على تصور كل العلوم الخاصة. وطبقا لمثالية الأنا، كان أساس نظرية العلم هو أساس كل علم، وكل معرفة، وكل مضمون ممكن، المضمون البسيط، والمضمون المطلق حاضر فيها، وكان على الفلسفة الرومانسية أن تغطي تماما كل ميادين المعرفة الإنسانية، وكانت أساسا لفلسفة المضمون الأصلي والصورة الأصلية لكل معرفة.
467
ولا تضع نظرية العلم كعلم أسئلة حول التجربة ولا تلتفت إليها على الإطلاق؛ فهي حقيقية بعيدة عن كل تجربة، وتصورها ل «الواقعة» هو أنها «ما يجب التفكير فيه ضرورة».
وفي أي مثالية تامة ليس القبلي والبعدي شيئين مختلفين، بل شيء واحد له واجهتان مختلفتان، وترجع هذه الثنائية إلى طريقة رؤية السؤال، فإذا تقدم شيء على أنه قبلي فليس من الضروري أن يكون في نفس الوقت بعديا، وإذا تقدم شيء على أنه بعدي فليس من الضروري أن يكون قبليا، فإذا نظر إلى السؤال من زاوية الكشف، فكل شيء بعدي، أما إذا نظر إليه من زاوية الضرورة، فكل شيء قبلي.
وقد ذكرت هذه الموضوعات المتفرقة في مثالية الأنا دون أي تطوير لها، مثلا لا يوجد زمان إلا في قوة الخيال، في حين يتساوى كل شيء في العقل الخالص، وأيضا يتطلب نوع المعرفة الابتعاد كلية عن قانون العلية وعالمه الذي يوجد فيه،
468
وهكذا وقعت الظاهريات تحت إغراء نظرية العلم لشمولها، وابتعدت عنها لرومنسيتها، ومن الصعب بمكان تحديد العلاقة بين نظرية المعرفة والظاهريات، ومع ذلك تبين بوضوح هذه الإشارات المتفرقة كيف ترى الظاهريات نظرية المعرفة.
والمثالية تطور لخط الفلسفة الترنسندنتالية ورد فعل عليها،
469
وتحديدها لرسالة الفلسفة كبناء للمطلق في الوعي، وتحديدها للفلسفة ذاتها كعلم للمطلق، تبرر تسميتها «المثالية المطلقة»،
470
والواقع أن الخط الصاعد من العقلانية يصب في المثالية المطلقة،
471
وقد حاولت «ظاهريات الروح» أن تعرض كيف سار الروح الإنساني من وجهة النظر الساذجة للعالم وتصور الحياة إلى وجود تناقضات داخلية فيه من وجهة نظر الفلسفة،
472
وقد دخلت المثالية المطلقة أيضا في قوة الباعث واستحال عليها التراجع،
473
وتتسم بالتعبير عن هذا الباعث في نسق شامخ للروح، وهو ما لم يحدث في المثالية التجريبية أو في التجريبية الطبيعية، وأصبحت قوة الباعث قوة النسق.
474
وقد ارتبطت المثالية المطلقة بالحركة الرومانسية، نقصها نقد العقل؛ ومن ثم ضعف مطلب إقامة فلسفة محكمة، وبالإضافة إلى ذلك سببت رد فعل عنيفا على النزعات الطبيعية والشك والتاريخية، وأصبح تصورها للفلسفة كتعبير عن روح العصر، أساس النزعة التاريخية.
475
وتبدأ المثالية المطلقة من مثالية الأنا، وقد أصيب كلاهما بعدوى المنهج الجدلي الذي يعتبر مهمة العقل توحيد القضايا المتناقضة،
476
والتناقض هو الذي يدفع العالم نحو الحركة، ومن المضحك القول بأنه لا يمكن التفكير في التناقض أو أنه لا يمكن التعبير عن الحقيقة في قضية واحدة، ومن الضروري قضيتان متناقضتان؛ الأولى تعبر عن الهوية، والثانية عن الاختلاف. والجدل، وهو بناء قبلي لعملية العالم، حركة التصورات في الوعي الفردي، وليست الفلسفة إلا الناظر إلى هذا المسار الموضوعي للعقل، وقد ضل الفكر الفلسفي التحليلي الطريق بمقدار ما يتحد الموضوع، أي الفكرة، مع حركته وتطوره، وفي هذه الحالة يصبح التفلسف فعلا سلبيا خالصا، لم يكن الجدل فقط الفعل الخارجي لفكر ذاتي بل هو مضمون النفس، فروعها وثمارها، هذا التطور للفكرة كفعل خاص للعقل يعطي للعقل هذه السمة الذاتية دون الوقوع فيها. الجدل أيضا خالق، هو الفكر الإلهي الرائي دون افتراضات مسبقة، وهو فكر مطلق، هو لحظة جذب، ولا يمكن للعقل تصوره، ويسميه واضع المثالية المطلقة تصوفا، يتوقف الوعي في الفعل التأملي، في حين أن التأمل يتطلب في نسقه الشعوري الأسمى إعدام الوعي ذاته.