وتم تصور النحو الخالص في الظاهريات قياسا على العلم الخالص للطبيعة في الفلسفة النقدية،
446
وقد استعلمت الظاهريات على نحو تراجعي، تأكيد الفلسفة النقدية على القبلي؛ أي أولوية الفكرة على الواقعة من أجل نقد النزعة التاريخية في فلسفة تصورات العالم.
447
وقد استعيرت اللغة الكانطية في تخليص الأنا الخالص من القوسين؛ إذ يجب على «الأنا أفكر» أن يصاحب كل تمثلاته،
448
وتستطيع الفلسفة أن تقدم نفسها كعلم للتعبير عن قصد الظاهريات كإعادة صياغة لمشروع العصور الحديثة؛
449
إذ لم تكن هناك إضافة بل تشويه للعلوم عندما تتداخل حدودها للتعبير عن ضرورة وضع الأسئلة الرئيسية.
450
الفلسفة مشروع يبدأ دائما من جديد،
451 «لا يستطيع الإنسان أن يتعلم الفلسفة بل أن يتفلسف.» وقد ظهرت هذه الحقيقة التي وضعتها الفلسفة النقدية في منهج البداية الجذرية في الظاهريات. ومع أن الفلسفة النقدية تضم مقاصد هامة، فإنها تظل أقل من العلم المحكم فيما يتعلق بتكوين القبلي الشامل،
452
وحتى في المقدمة العامة للظاهريات الخالصة فإنها تشق طريقها من قبل بين التجريبية باعتبارها شكا والمثالية الغامضة.
453 (أ-د) الوحدة العضوية: المثالية المطلقة
454
ويمثل تطور المثالية النقدية إلى مثالية مطلقة تقدما في غائية التاريخ، ومع ذلك تحتوي المثالية المطلقة في داخلها أسباب فشلها،
455
كانت ضد كل أشكال التجريبية، ولكن دون أن تنجح في صياغة فلسفة محكمة،
456
الفلسفة وعي بالإنسانية، وتحقيق ذاتي للعقل،
457
ونقد العقل اكتشاف عظيم مثل اكتشاف الذاتية في أعقاب العصور الحديثة،
458
وبعد الكوجيتو سادت النزعات التجريبية (الوضعية والبيولوجية والبرجماتية) نظرية المعرفة، وفي مقابل هذا الخط وضعت نظرية أخرى محكمة للمعرفة لها أسس نظرية مخالفة.
459
والواقع أن الفلسفة بعد كانط لم يكن لها حظ أفضل، سادها أسلوب التصورات الأسطوري والتأويل الميتافيزيقي للعالم دون أن تكون محكمة على الإطلاق في التصور أو المنهج،
460
ومع ذلك لم يكن الفلاسفة شعراء تصورات، ولم تنقصهم الإرادة الجادة لتأسيس النسق كعلم، كان لكل فلسفة تصورها للفلسفة الترنسندنتالية وذاتية الشعور، وظل علم النفس التجريبي قائما دون أن يقهر، بل على العكس، ظهر في صور جديدة، وارتبط كل نسق بذاتية مؤلفه، ولم يكن هناك أي ميل إلى الموضوعية سواء بمنهج الإيضاح أو بالتجربة الذاتية المشتركة، وبعد الفلسفة بعد كانط أصبحت أزمة العلوم الأوروبية أكثر حدة.
وقد وقعت الظاهريات تحت إغراء الفلسفة بعد كانط، وتبين مذكرات محاضرات عام 1914م الاهتمام الكبير الذي أولته الظاهريات لهذه الفلسفة، ربما لم يكن عند مؤسس الظاهريات الوقت الكافي لدراستها على وجه خاص، وربما أبعدته المثالية المطلقة عنها لطابعها الأسطوري الغامض، ومما يسترعي الانتباه أن تكون مذكرات المحاضرات حول الفلسفة بعد كانط قد دونت بأسلوب تلغرافي في العصر الحاضر، وتوحي بأن مؤسس الظاهريات لم يكن لديه الوقت الكافي لتعميمها، ومع ذلك توجد بعد الانتقادات المتناثرة داخل بعض العبارات المنفصلة.
لقد حاولت جاهدة الفلسفة بعد كانط أن تصوغ نظرية في العلم ومنهجا جدليا،
461
وكانت تشارك بكل صورها في نفس الخصائص التي منعت من الوصول إلى نظرية محكمة في العلم.
ارتبطت الفلسفة بالعقيدة، ولم تكن العقيدة في مستوى أقل من المعرفة، وما يعتقد لا يحتاج إلى برهان،
462
كان الاعتقاد وسيلة للمعرفة، يعطي نفس اليقين الذي تعطيه المعرفة، مضمونه عالم المثل،
463
وكان ينقل الاعتقاد أحيانا إلى المستوى الفلسفي كي يصبح معرفة تفوق الحس،
464
والعقل نفسه أداة للتساؤل عن عالم ما فوق الحس، هو القدرة على افتراض حقائق «في ذاتها» الخير، الجميل ... إلخ، مع التأكيد بأن لها صدقا موضوعيا، لا تساعد في التوضيح، ولكن تكشف عن نفسها موضوعيا، وتقرر على نحو غير مشروط، والرؤية العقلية من خلال العقل مرادفة للنبوة، وفي هذه الرؤية لا يعطي الفكر فقط من خلال الذهن بل أيضا من خلال العاطفة، وقوى العاطفة والعقل شيء واحد، في حين أن الفلسفة كعلم محكم منفصلة تماما عن كل اهتمام مغاير للاهتمام النظري الخالص، وهذا لم يكن وضع المثالية المطلقة.