تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

100

وأحيانا يكون القرآن مصدرا للأخبار، أخبار الأنبياء مثل حوار موسى مع السحرة والخضر، وهو أيضا مصدر للعلم عن الطبيعة والتاريخ فالزمهرير رح عاد.

101

ويكون مصدرا للعلم ببعض الموضوعات الدينية والكلامية مثل معجزات الأنبياء ووجود الروحانيين مثل الجن والشياطين وخلق القرآن والسحر، والحث على طلب العلم.

وأحيانا يكون النص استشهادا على موضوع وتأكيدا له نظرا للتطابق بين الوحي والواقع مثل الاستشهاد بآيات الفلك على سبح الأفلاك ومنازل القمر. يتم الحديث عن شيء ثم يذكر في القرآن تحقيقا للمناط على نحو عكسي، من الواقع إلى النص وليس من النص إلى الواقع مثل الروح والريحان، والتزهيد في الدنيا وذم الجدل، والاجتماع على خير، وتأليف القلوب، وتصفية الضمائر.

102

لذلك تتحول آيات القرآن إلى وصف الطبيعة سواء كانت البداية من النص إلى الواقع استنباطا أو من الواقع إلى النص استقراء، وقد ذكر المفسرون معاني الآيات، إنزال القرآن مثل إنزال المطر من أجل التوحيد بين الطبيعة والشعور، اللغة والكون، العالم الأصغر والعالم الأكبر. يؤدي تفسير القرآن إلى العلم بأسرار الكون كما يؤدي تفسير الكون إلى العلم بأسرار القرآن. القرآن ليس حرفا بل طبيعة، وليس شكلا بل مضمونا، اللغة فيه تحيل إلى العالم وكما يدل على ذلك المعنى المزدوج للفظ «آية». الألوان في الطبيعة رمز على تعدد البشر واختلاف الألسنة والألوان.

103

وأحيانا لا تطابق الآية المعنى، بل توجد آيات أخرى أكثر تطابقا. فليس المطلوب معنى الآية بل الاستشهاد بها لتطابق الحالة النفسية والاجتماعية للقارئ.

ويبدو استعمال النص أحيانا على نحو شرعي فقهي يشرع للناس. مع إطلاق الأحكام دون تقيدها، إثباتا للعموم لا للخصوص، وتحويل الآيات إلى أحكام عقلية وفي نفس الوقت استحالة الاختلاف بين الطبيعتين، الدليل والحكم، اللغة والقضية. والأغلب أن القرآن حوى كل شيء ولا حاجة إلى القياس الكاذب. فالموروث هنا ضد الوافد الأرسطي وضد الموروث التسلطي، قياس الفقهاء.

والقرآن ليس مجرد أداة للعلم ومصدر للخبر، بل له بعد باطني لا يدرك إلا بالتأويل. به سور طوال وأخرى قصار دلالة على سر الرجال وسر النساء والحروف المستعملة في أوائل القرآن سر لا يعلمه إلا الله. ويدافع الإخوان عن التأويل دفاعا عن التنزيه ضد التجسيم والتشبيه. فالحكمة هو التأويل. وقد اختلف العلماء في تفسير هذه الحروف بين القسم أو أن لكل حرف كلمة في حساب الجمل، أو أنها سر لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم والخواص من البشر وفد تظل أسرارا إلى يوم الدين.

104

وتظهر آيات الإيمان أكثر من آيات العقل، والنبوة أكثر من الحكمة، والغيب أكثر من الشهادة، واليقين أكثر من الشك. وتكثر الآيات في البعث والقيامة. فهي أسرع إقناعا وأوقع نفسيا من الحجة القولية على عكس الكندي والفارابي اللذين استطاعا صياغة خطاب عقلي لا نقلي قبل أن يركب ابن سينا كل ذلك عقلا، فلكل موضوع حجة نقلية لدرجة غياب الحجة العقلية حتى لا يترك شيء للمعارضة العقلية أو الفهم الذي يؤدي إلى فهم مضاد مع إن الحجة النقلية يمكن مناقضتها بحجة نقلية أخرى. ويتم تبادل الحجة العقلية والنقلية بين الإنسان والحيوان فيعترض الحيوان على الإنسان بالعقل ويعترض الإنسان على الحيوان بالنقل، سخرية من الإنسان. النقل للاتهام، والعقل للدفاع، النقل للاستعباد والنقل للتحرر، النقل للظاهر، والعقل للمؤول.

لذلك تستعمل آيات القرآن تملقا لعواطف الناس، واستدعاء للسلطة النصية تحريرا للنص من السلطة السياسية بعد زعزعة الولاء بها. وتستعمل كوسيلة لترقيق القلوب نظرا لأثر القرآن في النفس كما هو واضح في رسالة الموسيقى من أجل تخليص النفس من الظلمات بالإضافة إلى التأويل الإشراقي. فأسباب النزول عند الإخوان هو البناء النفسي للشعور. لم يجد الإخوان في القرآن إلا التأويل صعودا لا التنزيل هبوطا. وكلها مواقف حسب الأهواء وكأنها أسباب نزول جديدة، وكأن الآيات أنزلت على مطابقة للأحوال النفسية للإخوان. وقد ساعدت الآيات نفسها على هذا التفسير الشعوري لحديثها عن الأفئدة والقلوب

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ٩٩