تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

93

وأحيانا لا يكون ذكر الآية مسبوقا بقال تعالى، بل على لسان الأنبياء، وكأن القرآن حوار بين الأنبياء وجدل مع الخصوم وحجج للإقناع. وتختلف أسماء السور مثل سورة يونس وسورة بني إسرائيل. فما يهم ليس السورة بل كيفية استخدامها.

94

ويذكر الإخوان الآيات في فواتيح الخطاب حتى ولو كانت للحيوان كما يفعل خطيب المسجد وشيخ القرية ابتداء من حجة السلطات وكضربات متلاحقة تجعل الشيخ قابلا الدعوة مهيئا للاستماع، طيعا للأوامر، سهلا للتجنيد. وقد لا تكون الآيات مترابطة فيما بينها في موضوع واحد تعطي استدلالا واحدا بل مجرد ضربات متلاحقة مهمتها تسخين الموقف وتهيئة القارئ للاستسلام.

وأحيانا يذكر القرآن بمفرده دون وصفه وأحيانا يوصف بأنه القرآن المبين، وأحيانا يسمى الفرقان.

95

ربما تكثر الإفاضة في بيان الموروث مثل القرآن والحديث كرد فعل على الاستشراق الذي يخرج القرآن باعتباره مصدرا للعلم من مركز الحضارة الإسلامية؛ لأنه ليس كذلك في وعيه، بل القرآن نفسه تاريخ، كما أنه خاضع للنزعة التاريخية فكل شيء يأتي من التاريخ لتفريغ الحضارة الإسلامية من مضمونها وإبداعها وجعلها مجرد نقل من مصدر خارجي مثل الحضارة الغربية. فقد نشأت العلوم الأوربية الحديثة ضد الوحي وليست منه.

وأحيانا يكون القرآن مجرد استمرار يثري العبارة وليس استشهادا كنوع من القرآن الحر كي تكون العبارة أوقع في النفس، وكأن القرآن هو القادر على التعبير على الواقع المشاهد، استمرارا للنثر العربي. يستعمل القرآن الحر كبديل عن العبارة. فلا توجد عبارة أبلغ وأوقع من الآية القرآنية. القرآن كتاب عربي بلسان عربي مبين. وهنا لا يبدو فرق بين كلام الله وكلام الإنسان وكما فعل السهرودي في «الغربة الغريبة» حتى ولو تحول إلى سحج ركيك على نقيض موسيقى القرآن. وأحيانا يختلط القرآن المباشر بالقرآن المرسل الأحداث الأثر اللغوي النفسي المطلوب. ويكثر هذا الأسلوب في الرسالة الثانية عن الحيوان في الطبيعيات.

96

وقد تعلم الناس القرآن بلسان فصيح بعد أن تلاه النبي لأن العربية أفصح اللغات.

وتتحول بعض الألفاظ القرآنية إلى صور فنية للإيحاء بالبيئة الإسلامية. وتظهر المصطلحات القرآنية مثل البعث والنشور والقيامة والحساب والمعراج. كما تدخل الآيات كعناصر فنية في بناء القصة. وتستعمل أسماء الجن المزيد من التصوير حتى ولو كان الموضوع خرافيا مثل حسن طاعة الجن وتشم الروح والريحان.

97

وتجمع الآيات كلها حول موضوع واحد مما يؤشر على بدايات التفسير الموضوعي للقرآن من أجل معرفة بنية الموضوع والانتقال من النص إلى العالم ومن الوحي إلى المجتمع مثل صفات المؤمن وأهل الخير وأمة الآخرة وثواب الأخيار وصفات الكفار وأنفس الأسرار والأمثال.

98

ويستعمل لفظ «القرآن» أكثر من مائة مرة إما بمفرده أو مقرونا بالتوراة والإنجيل بلا ترتيب النزول، مما يدل على وحدة الأديان في بنيتها وليس فقط في تاريخها. وقد يذكر القرآن وحده أو مع الانجيل أو مع التوراة. وقد يخصص بعض كتب التوراة مثل ألحان داود أو الزبور. ومع ذلك فالقرآن مهيمن على باقي الكتب لأن الإسلام آخر الأديان والشريعة الإسلامية آخر الشرائع، وتثبت الكتب المنزلة كلها حقائق واحدة مثل أن الطبيعة مخلوقة للإنسان، ووصف الطبيعة والفلك والجنة والنار وحسن طاعة الجن لرؤسائها والاستعاذة بهم بقراءة آيات منها حتى لا يتعرضون للناس بالأذى، ومقاييس الخير والشر، وقراءتها في المساجد والمعابد والصوامع وبيت الله. وقد كان لداود ملحنين وقراء. كما تعبر قراءات متعددة للقرآن وتلاوته. ويستعمل لفظ الإنزال للقرآن وحده الذي أنزل على صاحب الشريعة.

99

والقرآن حركة طبيعية يستأنف عندما ينقضي الدور دلالة على تطور الوحي وإعلانه على مراحل في التاريخ.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ٩٨