تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ، وبالرغم من نهي النفس عن الهوى إلا أن اللفظ له موسيقاه.

وعيب ذلك كله هو كسر الاتساق العقلي، وانقطاع البرهان، واختيار الآيات التي توافق الأهواء ونزعها من سياقها وأسباب نزولها وهو ما يمكن معارضته بآيات أقرب في سياق آخر.

لذلك أكثر الله في القرآن مدح المؤمنين وذم الكافرين وبيان الوعد والوعيد والفلك وذم المريدين للدنيا ومدح المريدين للآخرة وبيان أوصاف أهل الجنة الروحية لا الجسمية، وسكان الجنان وهي ثمانية، وكذلك أوصاف أهل النار، وتكثر الآيات لبيان أن الديانات والشرائع ووظائف العبادات طرق ومسالك إلى الله كما أن القرآن نفسه وسيلة للتقرب إلى الله مثل الصلاة والصوم والتسبيح والدعاء، والقرآن أخلاق الإخوان كما كان الرسول يتأول القرآن بتهجده ليلا، والإقرار به من علامات الإيمان وبما أتي من الغيب، وهناك إحساس بالنصر، تعويضا عن الهزيمة كما هو الحال في جماعات الخلاص في تاريخ الأديان حتى الجماعات الإسلامية المعاصرة.

105

ويتم تأويل الآيات تأويلا فلسفيا طبقا لهرمس المثلث بالحكمة وهو إدريس النبي، إبهاما للعامة بالحقائق كنوع من الثقافة الشعبية الوجدانية لا العلمية ولا العقلية. وأحيانا يتم تقطيع الآية عبارة عبارة، بل ولفظا لفظا حتى يسهل تأويلها جزءا جزءا قبل التأويل الكلي. فلكل شيء ظاهر وباطن.

106

ومعظم الآيات المنتقاة آيات فردية نفسية أكثر منها آيات اجتماعية سياسية. متجهة إلى أعلى خارج العالم أكثر منها متجهة إلى أسفل داخل العالم، تأويل أكثر منها تنزيل، وتجمع آيات النفس كلها بالمئات. هو تأويل إشراقي خارج أسباب النزول وكأن الآيات نزلت على نفس القارئ مباشرة. لذلك يختار الإخوان كل ألفاظ الصعود دون النزول. والإشراق من الشمس، والقمر من الشمس والقمر من النفس الكلية، والنفس الكلية من العقل الكلي، والعقل الكلي فيض من الباري.

107

والتأويل في النفس وفي الواقع، في الداخل وفي الخارج؛ إذ لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور. العلم هو العلم بتأويل الأحاديث وتصديق الرؤية. فالعلم واقع.

108

والغاية من هذا التأويل الباطن الانسلاخ من الدنيا والانعراج نحو الآخرة، والقضاء على الاغتراب في الدنيا من أجل التوحد مع الآخرة. وفسرت الآيات كلها تفسيرا روحيا بعيدا عن الحسن وكرد فعل على حياة البذخ والترف والانكباب على الدنيا. يتضح ذلك في الرسالة التاسعة، أطول رسائل الجزء الأول. ظاهرها العلم وباطنها التصوف مثل نهايات «الإشارات والتنبيهات» لابن سينا. لذلك تكثر آيات العروج، عروج أرواح النبيين والصديقين والشهداء والصالحين المحقين المستبصرين، كل في فلك يسبحون.

109

ويقوم هذا الخلاص على ثنائية الخير والشر، الثواب العقاب، الوعد والوعيد، الجنة والنار، الروح والبدن كما هو الحال في ثنائيات الصوفية التي تعرب عن رغبة جماعات الاضطهاد في الخلاص. وتأخذ الثنائيات أشكالا اجتماعية مثل الغنى والفقر، القوة والضعف، النبل والحقارة، القرب والبعد، الجود والبخل، الحياء والصلف، المهابة والصنعة، السلامة والسقم التي تكشف عن الصراع بين قوتي العدل والظلم، المضطهدين ضد المضطهدين، الجماعة السرية ضد النظام القائم، مما أنتج أخلاق العزاء والأمل في عالم أفضل، والعودة إلى النفس لإنقاذها بعد أن استعصى خلاص العالم. لذلك تم تفسير الآيات على نحو إشراقي عن العلم في النفس، والحرمان والطرد ومقاومة العدو والجزاء والعقاب. فتحولت العقائد إلى مأساة في الخلق والبعث. والآيات القرآنية نفسها تسمح بهذا التفسير الإشراقي كما تسمح بغيره من التفسيرات العقلية والاجتماعية والسياسية. فكل عصر يقرأ نفسه فيه. يكشف التفسير عن صورة العصر أكثر مما يكشف عن مضمون القرآن. القرآن مجرد مرآة عاكسة للعصر من خلال صورته في التفسير، تفسير الظاهر أو المقهور، الغني أو الفقير، القوي أو الضعيف، السلطة أم المعارضة، الدولة أم الشعب. (ج) آيات النسق

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ١٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ١٠٠