تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويستعمل لفظ الحكماء على الإطلاق أو على التخصيص كاتباع لأرسطو أو مع العلماء أو المناطقة أو الموسيقيين أو الطبيعيين أو الفلكيين أو الأطباء الإلهيين وهو الأغلب أو على التخصيص بالحدوث مثل حكماء الصدد الأول إيجابا أو المتكلمين سلبا.

70

فالحكماء على الإطلاق حملة الحكمة مثل العلماء حملة العلم، وهو علم أصول الدين وحقائق المعرفة، معرفة الله سبحانه والإقرار بربوبيته. وهم العلماء حملة العلم الذي تبينه الأنبياء.

71

والحكماء في سلوكهم وأخلاقهم قدوة. ولا يقبل الله العمل إلا من العالم العارف. وهو سنته وسنة الحكماء من عباده والمصطفين من أوليائه وأنبيائه. ورسائل الإخوان شرح لأقوال الحكماء وبيان لمبادئهم لطالبي العلوم. وبالرغم من اختلافهم في الآراء وتباينهم في المواقف إلا أنه لا خلاف بينهم في الأحوال والأصول. فالحكمة أصل واحد. كما أن الحكماء والفلاسفة من أهل التوحيد يختلفون في الألفاظ فيما يتعلق ببدء الخلق ولكنهم يتفقون في المعاني والأغراض. الخلاف في الألفاظ والأسماء بين الحكماء فيما يتعلق بالجسم الكلي وهو العالم بأسره والنفس الكلية المحركة له والعقل الكلي وهو القوة الإلهية المؤيدة للنفس الكلية. وهي ما تسميه الحكماء الملائكة الروحانيين طبقا لعملية التشكل الكاذب، التعبير عن المضامين الدينية بعدة ألفاظ فلسفية. والحكماء يستعملون الرمز لأن علومهم مستغلقة لا يقدر عليها إلا أذكياء القلوب وأصفياء الذهن، ومن أراد الله له السعادة في الدنيا والآخرة. قد يستعمل الإخوان لغة الرمز بين الحيوان والحكماء تسهيلا للأفهام وشرحا للمعاني. ويشبه أسلوب الحكماء الرمزي أسلوب الأنبياء والأمثال المضروبة في القرآن.

72

وقد يذكر القدماء من الحكماء مع العلماء كحملة للعلم مصنفين وشارحين له دون دلالة خاصة على الوافد أو الموروث. وهم المناطقة الذين يسمون الوصف الحد. البرهان ميزتهم يعرفون به الصدق والكذب في الأفعال والأقوال، والحق والباطل في الاعتقاد، والخير والشر في الأفعال. لذلك هم أتباع أرسطو في نصب البراهين، وهي المرة الوحيدة التي يتم فيها هذا التخصيص، وهم الموسيقيون الذين يتقنون صناعة الألحان، وهم الطبيعيون الذين قد يختلفون في حقائق وكيفيات الهيولي والصورة وماهيتها والزمان والحركة، ويرون أن النبات واسطة بين الإنسان والأركان، والأطباء الذين تحدثوا في العشق والمحبة وصفاء الذهن لا فرق بين طب الأجساد وطب النفوس.

73

وهم أخيرا الحكماء الإلهيون مما يكشف عن التوجه في النهاية نحو الموروث. هم الذين تكلموا عن حقائق الأشياء بالبراهين اللامعة والحجج الناطقة. وهم الذين وضعوا الميزان مع الفلاسفة من الحكماء والإلهيين من القدماء والعلماء. ويتفق الحكماء الإلهيون والعلماء الأقدمون في وصف العلوم الجسمانية والطبيعية، وقد قال الحكماء القدماء والأولون من العلماء إن الإنسان خليفة الله في الأرض مثل أن الملائكة خلفاء الله في الأرض، وترجم ذلك الحكماء الإلهيون والعلماء الربانيون بعلم علل الأشياء ومعلولاتها بعلم غامض لا يطلع عليه إلا المرتاضون بالعلوم الإلهية والحكمة الربانية المأخوذة من تلامذة الحكماء الإلهيين وخلفاء الأنبياء المرسلين تقيدا وإيمانا وتسليما. فلا يقوى على منهج الفلسفة إلا المتدينون ولا على الحكمة إلا ورثة الأنبياء. ولا يعرف العلل والمعلولات على ما حكته العلماء وأخبرت به الحكماء إلا أهل الفلسفة الحكمية والشرعية الدينية المتفقين على المعاني الحقيقية، وهم الحكماء الأولون والعلماء الإلهيون في معرفة العالم العلوي واستقامة أمور الأفلاك بالنسب الفاضلة والقسمة المعتدلة لا تضاد فيها ولا زيادة أو نقصان، فعل شيء فيها على قدر موزون، لا فرق بين النبوة والحكمة. يتفق الحكماء الإلهيون والعلماء الربانيون المخصوصون بالعلوم العقلية والتأييدات الفلسفية ومن تبعهم واستجاب لهم وانقاد إلى أوامرهم ونواهيهم الإيمان بالجن وهو المسبحون في البقاع الطاهرة والمساجد العامرة، وفقهاؤها وحكماؤها من آل إدريس وبني بلقيس وأولاد كيوان وبني هامان وآل لقمان وأولاد بهرام وبني ناهيد. ويزاد عليهم آل بقراط وآل أفلاطون وذرية أرسطوطاليس. هنا ينضم الوافد إلى الموروث في الإيمان بقضية الجن. وهم الطائفة المخصوصة بالعلوم العقلية والآراء الفلسفية والمذاهب الربانية الإلهية، لا فرق بين حكمة فارس وحكمة يونان، بين الواقع والخيال، بين الإنس والجن.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ٩٢