74
يقول الحكماء والعلماء إن العالم إنسان صغير وهو ما ترجموه من كتب الفلاسفة الإلهيين والقدماء. يعني الحكماء بالنفوس الجزئية القوة المنبثة الهابطة إلى المركز السفلي المشتاقة إلى عالم الطبيعة المتخلفة عن قبول الإفاضة العقلية. هنا تبدو لغة الفيض التي تجعل الحكمة قريبة من النبوة والنفوس الجزئية منبثقة من النفس الكلية وتخلفت عنها. كان الحكماء من الصدر الأول، وهو تعبير إسلامي، يدخرون لأنفسهم موضوع العقل والعقول بعيدا عن الناس إلا لمن يثقون به ويأخذون عليه العهد والمواثيق، وكانوا يسمونه علم البلاغ. لأنه به تتم معرفة الأشياء بحقائقها والاطلاع على كيفية وزنها بميزان القسط والحق. والمعنى الروحي للموازين هو صفاء النفس. والغرض من هذا العلم من الحكماء والفلاسفة والعلماء الاقتداء به. وقد شاهد الحكماء والنجباء الراسخون في العلم بصفاء نفوسهم ونور عقولهم جواهر غير جسمانية سارية في الأجسام.
75
يتفق الحكماء الأولون والعلماء الربانيون في نفس الأغراض. إن الحكماء في ذكرهم الهيولي والصورة إنما ينبهون النفوس اللاهية والأرواح الساهية الغافلة عن آيات الله بحيث يستعمل الوافد للتنبيه على الموروث. والحكماء الراشدون وأهل الحكمة والعلم الذين وقفوا على أسرار الأنبياء الصادقين، يعلمون الموازين المنصوبة يوم القيامة التي بها توزن أعمال العباد خيرا أو شرا. هي صورة نفسانية شفافة تتراءى فيها الأعمال لصاحبها ينظر إليها خروجا من التصور الشيعي إلى التصور النفسي، ومن التشبيه إلى التنزيه، ومن الكم إلى الكيف. والرؤساء هم المستخلفون في شرائع الأنبياء بعد ذهابهم لهداية الأمة، والذيابة عن الأئمة، وتأويل ما نطق به الحكماء، وما خفي من مرامي الأنبياء، فالأئمة المهديون هم المظهرون لحكمة الحكماء ونبوة الأنبياء. وقد دل الحكماء وصدق العلماء المؤمنون بالحاقة إشارة إلى تحقيق علم الله الذي أخبرت به الأنبياء. وعند الحكماء صورة الإنسانية منزلة ثالثة، الصراط المحدود بين الجنة والنار. والحكمة خارج الجدل والخلاف. هي أقرب إلى براهين الأنبياء مع تأويلات رموزهم وأسرارهم. لذلك يقرن الحكماء بالمتكلمين مما يدل على معنى اللفظ الموروث واستعمالها معا في القياس.
76
ويستعمل لفظ الفلاسفة بمعنى الحكماء وبصفة الإلهيين وهم في مناجاتهم لبارئهم بلفظ يا دهر الداهرين. وقد تخصص الفلاسفة الكرماء القدماء والأكابر من العلماء وأصحاب الفلسفة الإلهية والحقائق العقلية والأسرار المكتومة في موضوع الجواهر النفيسة. وإجماع الفلاسفة الإلهيين والأنبياء المرسلين والأئمة المهديين والمؤمنين والعلماء الأقدمين يدل على أنهم لم يجتمعوا إلا على الحق الصادق. والعقل اسم مشترك يقال على معنين أحدهما يشير إليه الفلاسفة، أول موجود اخترعه الباري سبحانه، جوهر بسيط روحاني.
77 (3) الموروث (أ) اللغة والشعر والثقافة العربية
ويتجلى الموروث في اللغة العربية وفي الشعر العربي وفي الثقافة العربية والعلوم الإسلامية وفي التاريخ الإسلامي وفي الجغرافية الإسلامية. يتم الاستشهاد باللغة العربية وحروفها الثمانية والعشرين وتقابلها مع منازل القمر، وهو عدد متوسط بين القليل (تسعة عن الهند) والكثير (الصين). وأصل الحرف الخط المستقيم والخط المقوس. وغلظ الألف العربية مناسب لطوله. بل إن حروف كل لغات الأمم تقوم على التقويس والإنحناء للألف كما هو الحال في العربية. فالإخوان يصفون الكتابة العامة وليس كتابة اللغة العربية الخاصة. واللغة العربية خاتمة الكتابات، وحروفها تمام الحروف كما أن الشريعة آخر الشرائع ومحمد خاتم الأنبياء. وتبدو آثار حكمة الله في اللفظ العربي. الحروف أ - ب - ت - ث مشتركة في كل الأشياء، ومطابقة للأعداد والموجودات، ويتفرع منها ما لا يحصى ولا يعد، وتطابق جسم الإنسان وأعضائه. ولما كانت لغة العرب أكمل اللغات فقد طابقت جسم الإنسان أتم الصور. ونسبة اللغة العربية لباقي اللغات مثل نسبة الإنسان للحيوان. ولما كان الإنسان أكمل أنواع التطور كذلك اللغة العربية نهاية المطاف لا تنسخ ولا تتبدل، زيادة أو نقصانا. ولما كانت اللغة العربية بحروفها التامة لغة القرآن دون بها كل شيء فإنها تكتب بأحسن الخطوط وأقومها وأتمها وأكملها من أجل الحفاظ على أصول هندسية تنبني عليها، البعض منها مستقيم كالألف والبعض مدور كالقاف والميم، والبعض مقوس كالحاء والخاء. وإذا دخلت بعض الحروف الأعجمية في العربية فإن ذلك لا يتعدى اللسان حفاظا على نقاء اللغة. ويؤسس الإخوان علم الصوتيات حركات اللسان والشفتين. وهما أربعة عشر حرفا، والأربعة لها مخارج أخرى غير اللسان.