وفي قدم العالم وحدوثه وهل له صانع وعلة فاعلة يظن البعض أن أرسطو يرى أن العالم قديم في حين يرى أفلاطون أن العالم محدث. وهو ظن قبيح مستنكر بأرسطو دعا إليه قوله في كتاب «أناطوبيقا» أنه قد توجد قضية واحدة يمكن أن يؤتي على كلا طرفيها قياس من مقدمات ذائعة؛ مثل أن العالم قديم أو ليس بقديم. وأرسطو بذلك يقرب المثال ولا يقول على جهة الاعتقاد. لم يكن غرضه في «طوبيقا» بيان أمر العالم بل بيان أمر القياسات المركبة من المقدمات الذائعة. كان أهل زمانه يتناظرون: هل العالم قديم أم محدث؟ هل اللذة خير أم شر؟ وكانوا يذكرون في كل مسألة قياسات ذائعة مشهورة. والمقدمة المشهورة فيها الصدق والكذب. كما دعاهم إلى ذلك ما ذكره أرسطو في كتاب «السماء والعالم» من أن الكل ليس له بدء زماني، فظنوا أنه يقول بقدم العالم. وهو ظن غير صحيح؛ فقد تبين في الكتب الطبيعية والإلهية أن الزمان عدد حركة الفلك. وأن ذلك الزمان حادث عن حركة الفلك. فمحال أن يكون لحدوثه بدء زماني. إذن هو من إبداع الباري جل جلاله دفعة واحدة بلا زمان وحركة حدثت عنه. ومن نظر في أقواله في الكتاب المعروف بأثولوجيا لم يشتبه عليه الأمر في إثبات الصانع المبدع للعالم. فقد أبدع الباري جل ثناؤه الهيولي من لا شيء وأنها تجسمت وترتبت عن الباري سبحانه وعن إرادته. كما بين في «السماع الطبيعي» أن الكل لا يمكن حدوثه بالبخت والاتفاق. ويستدل على ذلك بالنظام البديع في أجزاء العالم في كتاب «السماء والعالم». كما بين أرسطو أمر العلل وعددها، وأثبت الأسباب الفاعلة، وأن الكون هو المحرك غير المتكون والمتحرك. وهو ما بينه أفلاطون في «طيماوس» أن كل متكون يكون عن علة مكونة اضطرارا وأن المتكون لا يكون علة لذاته كما بين أرسطو في «أثولوجيا» وجود الواحد في الكثرة، وبرهن على ذلك ببراهين واضحة مما يبين أن أجزاء العالم حدثت كلها من إبداع الباري لها، وأنه عز وجل هو العلة الفاعلة الواحد الحق ومبدع كل شيء. وهو ما بينه أفلاطون في كتبه عن الربوبية مثل «طيماوس» و«بوليطيا». كما بين أرسطو في حروفه في «ما بعد الطبيعة» كيف يترقى فيها من الباري جل جلاله في حرف اللام ثم يعود إلى بيان صحة مقدماته. كيف بعد كل هذا يقال إن أرسطو يقول بنفي الصانع وبقدم العالم؟ ولأمونيوس رسالة يذكر فيها أقاويل الحكيمين في إثبات الصانع لم يذكرها الفارابي لشهرتها. وهو الطريق الأوسط دون إفراط أو تفريط، وليس لأحد من أهل المذاهب والنحل والشرائع من العلم بحدوث العالم وإثبات الصانع وتلخيص أمر الإبداع ما لأرسطو وأفلاطون. وليس لهم إلا قدم الطبيعة وبقاؤها، وأن في الأصل كان الماء أو التراب أو الهواء أو النار، وما يقوله اليهود والمجوس وسائر الأمم فيه استحالة وتغاير وهي أضداد الإبداع مما ينتهي إلى طرح السموات والأرض في جهنم ويؤدي إلى التلاشي المحض. لولا أنقذ الله العقول والأذهان بهذين الحكيمين وأتباعهما ممن أوضحوا أمر الإبداع بحجج مقنعة وإيجاد الشيء عن لا شيء وأن كل ما يتكون من شيء فهو فاسد. والعالم مبدع من غير شيء فحاله إلى غير شيء. وكتبهما مملوءة بشواهد الربوبية ومبادئ الطبيعة لكن الناس في حيرة ولبس. وهو ما يتفق مع الأقاويل الشرعية وأنها في غاية السداد والصواب، أن الباري جل جلاله مدبر جميع العالم، لا يعزب عنه مثقال حبة من خردل ولا يفوت عنايته شيء من أجزاء العالم على السبيل الذي بيناه في العناية من أن الكلية شاملة في الجزئيات، وأن كل شيء من أجزاء العالم على السبيل الذي بيناه في العناية من أن العناية الكلية شائعة في الجزئيات، وأن كل شيء من أجزاء العالم وأحواله موضوع بأدق المواضيع وأتقنها.
24
كما يدل على ذلك علم التشريح ووظائف الأعضاء والأقاويل الطبيعية حتى يثبت الإتقان والإحكام وينتقل من الطبيعيات إلى البرهانيات. وهي موكولة لأصحاب الأذهان الصافية والعقول المستقيمة، والسياسات وهي موكولة إلى ذوي الآراء السديدة، والشرعيات موكولة إلى ذوي الإلهامات الروحانية. والشرعيات أعمها، وألفاظها خارجة على مقادير علوم المخاطبين الذين لا يؤاخذون بما لا يطيقون تصوره. وينتقل الفارابي من إثبات حدوث العالم إلى إثبات التنزيه ونفي الجسيمة عن الله والزمان والحركة وضرورة مخاطبة الناس على قدر عقولهم. فطرق البراهين الخالصة لا يعرفها إلا الفلاسفة وفي مقدمتهم أفلاطون وأرسطو. أما البراهين المقنعة المستقيمة العجيبة النفع؛ فمنشؤها عند أصحاب الشرائع الذين عوضوا بالإبداع الوحي والإلهام، وهو ما يتفق مع رأيي الحكيمين ولا يتصور اختلافهما فيه.