20 (6)
ويختلف رأيا أفلاطون وأرسطو في موضوع الإبصار؛ إذ يرى أرسطو أن الإبصار يكون بانفعال من البصر، بينما يرى أفلاطون أن الإبصار يكون بخروج شيء من البصر وملاقاة المبصر. وزاد الأئمة - أي المفسرون - الخلاف، وشنع كل فريق على الآخر. شنع أنصار أرسطو على أفلاطون؛ فالخروج لا يكون إلا للجسم هواء أو ضوءا أو نارا. وكلها موجودة بين البصر والمبصر، ولا حاجة إلى خروج من الذات إلى الموضوع فيتم التشنيع بسوء استعمال لفظ خروج. وشنع أصحاب أفلاطون «على أرسطو وحرفوا لفظ الانفصال بأنه تأثر واستحالة وتغير في الكيفية، إما في البصر أو في الجسم بين البصر والمبصر؛ فالاستحالة في العضو تكون في الحدقة إلى ما لا نهاية أو في بعضها مما يجعلها مفصلة. وإن كان في الجسم الوسيط لزم أن يكون قابلا للضدين، واحتج أصحاب أرسطو بأنه لو لم يكن الانفصال في الجسم لما أمكن للبصر أن يرى الأشياء البعيدة، واحتج أصحاب أفلاطون بإدراك القريب قبل البعيد. ولو كان الأمر على ما قاله أرسطو للزم أن تكون المسافة بين البصر والمبصر مضيئة لتحمل الألوان. ويرى الفارابي أن الأمر على التوسط وليس على التطرف والعصبية. وقد اضطر الفريقان لاستعمال لفظ الخروج أو لفظ الانفصال بالرغم من ضيق اللغة فوقعوا في التشبيه، أما ذوو العقول الصحيحة فإنهم لا يقعون في هذا التشنيع والتعصب وسوء تأويل الألفاظ.
21 (7)
ويختلف الحكيمان في أمر النفس؛ إذ يرى أرسطو في «نيقوماخيا» أن الأخلاق عادات تتغير ولا شيء منها بالطبع، ويمكن التنقل منها بالاعتياد والدربة. بينما يصرح أفلاطون في كتاب «السياسة» وفي «بوليطيقا» بأن الطبع يغلب العادة، وأن الشيوخ إذا ما طبعوا على شيء يعسر زواله عنهم، وإذا ما حاولوا ازداد فيهم تماديا. ولا يوجد خلاف في الحقيقة بين الرأيين لأن أرسطو يتكلم عن الأخلاق كما شرح الفارابي من قبل هذا الكتاب. وإن كان يتكلم عن الأخلاق كما شرح فرفوريوس فإن كلامه على القوانين الخلقية. وهو كلام كلي ومطلق عن تغير الأخلاق والعادات كما هو ملاحظ في التربية. فلا شيء فيها متعلق بالطبع لا يخضع للتغير والتبدل. أما أفلاطون فإنه ينظر إلى السياسات أيها أنفع وأيها أضر، فينظر في أحوال الفاعلين. لذلك لجأ إلى الطباع التي يسهل تنقلها عند البعض ويصعب عند البعض الآخر وكما صرح أرسطو بذلك في «نيقوماخي» الصغير. فلا خلاف بين الحكيمين إلا في ظاهر القول وعندما ينظر إلى كل قول على انفراد وإخراجه من السياق وعن مرتبة علمه. والحقيقة أن الأمر على التوسط، فمهما كانت النفس متخلقة ببعض الأخلاق ثم قامت باكتساب خلق جديد كانت الأخلاق التي معها كالأشياء الطبيعية والجديدة كالأشياء الاعتيادية ثم تحولت إلى طبيعية باكتساب خلق ثالث اعتيادي وهكذا على التوالي.
22
وهو معنى قول أفلاطون إن الأخلاق منها طبيعي ومنها مكتسب، وليست طبيعة بالحقيقة لا يمكن زوالها؛ فهو قول شنيع يناقض ظاهر اللفظ. الفارابي هنا أقرب إلى أرسطو القائل بالاكتساب والاعتياد منه إلى أفلاطون القائل بالطبع.
23 (8)
وقد أورد أرسطو في كتاب البرهان شكا، أن الذي يطلب علما إما أن يطلب ما يجهله فكيف يوقن أن ما طلبه يكون علما؟ وإما أن يطلب ما يعلمه فلا يكون طلبه علما؛ ومن ثم ينتفي العلم كما يقول الشكاك، ومن يطلب علم شيء إنما يطلب في شيء آخر ما قد وجد في نفسه محصلا، إلحاقا للمجهول بالمعلوم، وإذا كان المعلوم في النفس فما وجه الحاجة إلى المجهول الذي يحيل إليه؟ وقد بين أفلاطون في «فإذن» أن العالم تذكر معتمدا على حجج سقراط. هنا لا يختلف أرسطو عن أفلاطون، ولكن توهم الناس أن ذلك تجاوز للحد خاصة من يقولون ببقاء النفس بعد مفارقتها البدن. فقد أفرطوا في التأويل، وحرفوا الأقاويل، وأجروها مجرى البراهين مع أن أفلاطون يروي عن سقراط لتصحيح أمر خفي بعلامات ودلائل، والقياس بعلامات لا يكون برهانا كما قال أرسطو في «أنالوطيقا» الأولى والثانية. كما أفرطوا في التشنيع على مدى الخلاف بين الحكيمين، وأغفلوا قول أرسطو في كتاب «البرهان» بأن كل تعليم أو تعلم يكون عن معرفة متقدمة أو مندرجة تحت علوم كلية وهو ما يتفق مع أفلاطون. ومن البين أن نفس الطفل عاملة بالقوة، تدرك بالحواس الجزئيات، وعنها تحصل الكليات، وهي العلوم على الحقيقة التي تحصل عن قصد. وقد جرت العادة وجعلها متقدمة على الإدراك الحسي وتسمى أوائل المعارف ومبادئ البرهان، وقد بين أرسطو في كتاب «البرهان» أن «من فقد حسا فقد علما». ولما كانت المعارف تحصل في النفس بغير قصد فقد لا يتذكرها، ويتوهم أنها لم تزل في النفس، وأنها لا تعلم إلا من الحس، فإذا حصلت في النفس أصبحت النفس عاقلة، فليس العقل إلا التجارب. وكلما زادت كانت النفس أتم عقلا. فإذا ما اشتاق الإنسان إلى معرفة شيء اشتاق إلى معرفة أحواله. وما تقدمت معرفته في النفس يزول عنه الجهل والحيرة، وهذا ما قاله أفلاطون من أن التعلم تذكر، وأن التذكر تكلف العلم. وهو ما عرضه أرسطو في آخر كتاب «البرهان» وكتاب «النفس» الذي شرحه المفسرون، وهو قريب مما قاله أفلاطون في «فإذن» إلا أن بين الموضعين خلافا؛ فأرسطو يذكر ذلك عندما يريد إيضاح أمر العلم والقياس في حين أن أفلاطون يذكره عندما يريد إيضاح أمر النفس. (9)